وطن-يشهد لبنان مرحلة شديدة الحساسية في تاريخه الحديث، مع تصاعد حدة المواجهات في الجنوب واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة. فبينما تتوسع رقعة الصراع الإقليمي بعد اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران، وجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة، ساحةً مفتوحة تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى مع معارك الداخل المنهك.
تصاعد ميداني وتحوّلات خطيرة
في التاسع من آذار/مارس 2026، اهتزّت العاصمة بيروت على وقع غارات إسرائيلية استهدفت ضاحيتها الجنوبية، لتصاعد أعمدة الدخان تاركةً مشهداً يختصر مأساة الحرب الجديدة. جاء ذلك بعد يومين فقط من هجوم على إيران، أعقبه إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه مدينة حيفا، لتردّ إسرائيل بسلسلة قصف عنيف وعمليات اغتيال ومحاولات توغل بري.
وعلى الرغم من أن هذه الجولة لا يُتوقع أن تغيّر مسار المواجهة الكبرى مع إيران، فإن انعكاساتها على الداخل اللبناني تبدو أعمق، إذ تطرح تساؤلات حول مستقبل المقاومة المسلحة وحدود المشروع الإسرائيلي في الجنوب.
قرار حكومي مثير للجدل
في تطور داخلي دراماتيكي، صوّتت الحكومة اللبنانية على تجريم النشاطات العسكرية والأمنية لحزب الله، بدلاً من اتخاذ إجراءات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية. هذا القرار مثّل، وفق مراقبين، تحوّلاً دستورياً غير مسبوق، أنهى عقوداً من الاعتراف الرسمي بـ”حق المقاومة” ضد الاحتلال، وهو الحق الذي كان ثابتاً في السياسة اللبنانية منذ منتصف التسعينيات.
وقد جاء هذا القرار تتويجاً لسلسلة مراسيم بدأت بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، هدفها تقييد العمل المقاوم تحت ذرائع تتعلق بفرض سلطة الدولة وتطبيق القرارات الدولية.
الخروقات الإسرائيلية مستمرة
في المقابل، استمرت إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، وسط التزام حزب الله بشروطه حتى اندلاع المواجهات الأخيرة. وخلال فترة الهدوء النسبي الماضية، قُتل نحو 400 لبناني وأصيب أكثر من 1100 نتيجة الغارات الإسرائيلية، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، مع تنفيذ عمليات توغل متكررة وتخريب ممتلكات وخطف مدنيين.
ضغوط اقتصادية تُفاقِم المعاناة
يعيش الجنوب اللبناني اليوم بين نارين: القصف الإسرائيلي من جهة، والحصار الاقتصادي الداخلي من جهة أخرى. فقد شددت الحكومة القيود على المجتمعات المتعاطفة مع المقاومة، وجمّدت مشاريع الإعمار، بذريعة ضرورة نزع سلاح حزب الله ووقف تدفق الأموال من إيران وبعض المناطق العراقية.
انتشر الجيش اللبناني في الجنوب لتثبيت “سيادة الدولة”، غير أن مهماته اقتصرت – وفق ما تردد – على مصادرة أسلحة المقاومة، استجابةً لمطالب أميركية وإسرائيلية، من دون أن يتخذ إجراءات فعلية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية المباشرة.
تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية
فشلت محاولات الرئاسة والحكومة للضغط دبلوماسياً على إسرائيل، في تحقيق أي نتائج ملموسة. كما أن الرهان على رفع جاهزية الجيش اصطدم بواقع التمويل المحدود والانقسامات السياسية. وكان من المقرر عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش في باريس في الخامس من آذار/مارس، لكن اندلاع الحرب أدى إلى تأجيله إلى أجل غير مسمّى، في ظل مؤشرات على أن أي دعم مقبل قد يقتصر على دفع رواتب وتثبيت الوضع الأمني الداخلي، لا تعزيز قدراته الدفاعية.
تزامناً مع ذلك، علت أصوات داخلية تطالب الجيش باستخدام القوة ضد حزب الله، وهو ما حذر منه مراقبون باعتباره “وصفة جاهزة لحرب أهلية جديدة”، خصوصاً أن قائد الجيش، رودولف هيكل، رفض حتى الآن الانخراط في مواجهة داخلية. في المقابل، تعرّضت المؤسسة العسكرية لانتقادات بعد انسحابها من بعض المواقع الجنوبية وعجزها عن صدّ الهجمات الإسرائيلية، ما زاد الشكوك حول قدرتها على حماية السيادة الوطنية.
نزوح ومعاناة إنسانية
مع اشتداد القصف خلال الأسبوع الأخير، اضطرت أكثر من 517 ألف عائلة إلى النزوح، في ثاني موجة تهجير جماعي خلال أقل من عامين. تزامن ذلك مع ظروف مناخية قاسية وارتفاع غير مسبوق في إيجارات المساكن، في وقت تعاني فيه مؤسسات الإغاثة من نقص حاد في الموارد المالية.
يحاول خصوم حزب الله استغلال هذا النزوح لتأليب السكان ضد المقاومة، عبر تحميلها مسؤولية المعاناة بدل الاحتلال الإسرائيلي. غير أن الكثيرين من المتضررين يدركون أن السبب الحقيقي للأزمة يعود إلى العدوان المتواصل منذ عقود والسياسات التوسعية الإسرائيلية في مناطق جنوب الليطاني.
مستقبل الغموض والتحدي
مآلات هذه المرحلة ستتوقف، وفق تقديرات مراقبين، على مسارين متوازيين: أداء المقاومة ميدانياً خلال الأسابيع المقبلة، ومحصلة الحرب الكبرى الدائرة بين إيران من جهة، والتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي من جهة أخرى. فإذا نجحت الجهود في التوصل إلى تسوية تُنهي الاحتلال وتؤمّن عودة النازحين وإعادة الإعمار، فإن الثقة بالمقاومة قد تستعاد. أما عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه أو تحقيق إسرائيل مكاسب إضافية، فسيُفاقم حالة الانقسام الداخلي ويُضعف الجبهة الوطنية اللبنانية.
يدخل لبنان اليوم اختباراً مصيرياً تتداخل فيه حسابات الداخل مع موازين القوى الإقليمية. فالصراع الدائر ليس مجرد مواجهة عسكرية على الحدود، بل جزء من لوحة أوسع تُعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بأسره. وبين الاحتلال المستمر، والضغوط الاقتصادية، وانقسام الموقف الرسمي، يبقى سؤال اللبنانيين الأعمق: كيف يحافظ وطنهم الصغير على حقه في الدفاع عن نفسه من دون أن يُمنع من حماية أرضه؟
إنه سؤال بقدر ما يعكس مخاوف الحاضر، يرسم أيضاً ملامح المستقبل الذي يقف عند مفترق طرق بين المقاومة والبقاء.
اقرأ المزيد
تحت نيران القصف.. عشرات الآلاف يفرون من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية تواجه خطر “المحو”
أبعد من حماس وحزب الله.. لماذا يرى محللون أن حرب إيران هي “الهدف الأخير” لإسرائيل منذ الثمانينات؟












