وطن – في خضم حرب مدمّرة مستمرة منذ نحو أسبوعين، ما تزال إيران تقف وسط أتون الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل دون أن تظهر عليها مؤشرات انهيار أو استسلام، رغم فقدانها عدداً من أبرز قادتها العسكريين والسياسيين وغرق معظم أسطولها البحري تحت وطأة الغارات المكثفة.
وتقول المؤشرات إن طهران اختارت طريقاً مختلفاً عن الاستسلام؛ فبدلاً من التراجع، تسعى إلى تعديل ميزان الحرب بفرض كلفة اقتصادية وأمنية عالمية مرتفعة، تجعل خصومها يعيدون النظر في استمرار المواجهة.
حرب استنزاف بمعايير جديدة
ويرى مراقبون أن إيران تخوض ما يشبه “حرب البقاء الأخيرة”، تحاول عبرها أن تخلق واقعاً استراتيجياً جديداً يمنع مستقبلاً أي هجمات واسعة ضدها. فإغلاقها شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي تمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، شكّل محور هذه الاستراتيجية. الهجمات التي استهدفت أكثر من ست ناقلات حول الخليج رفعت أسعار النفط إلى ما فوق مئة دولار للبرميل، ما جعل الأزمة الاقتصادية العالمية تتفاعل سريعاً.
ويعلق خبير الشؤون الإيرانية في معهد الشؤون الدولية والأمنية ببرلين، حميد رضا عزيزي، بأن “طهران تدرك أن الطريق لوقف الحرب بالشروط التي تريدها يمر عبر رفع الكلفة الاقتصادية على الجميع”، مضيفاً أن استهداف المنشآت النفطية ومحاصرة الملاحة في هرمز يمثلان لب هذه المقاربة، رغم أن نتائجها لم تبلغ بعد الحدّ الكافي الذي يدفع واشنطن إلى التراجع.
تصعيد متبادل وخطابات حادة
وفي المقابل، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء تهديداً علنياً بضرب إيران “عشرين مرة أقوى” في حال استمرار إغلاق الممر النفطي الحيوي، متوعداً بـ”دمار نار وغضب” يجعل إعادة بناء الدولة الإيرانية “مستحيلة”.
غير أنّ أول خطاب علني للمرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي ـ الذي تولى المنصب بعد مقتل والده علي خامنئي في غارة إسرائيلية أواخر فبراير الماضي وأصيب هو نفسه فيها بجروح ـ جاء متحدياً، متعهداً بمواصلة إغلاق المضيق حتى وقف الهجمات تماماً، وداعياً دول الجوار إلى طرد القواعد الأميركية من أراضيها. وجاء في بيانه الذي تلي عبر التلفزيون الإيراني: “لن نتراجع… وسيدفع الأعداء ثمن كل قطرة دم سالت على أرضنا”.
الساحة الإقليمية تشتعل
وامتدت نيران الحرب لتشمل ساحات عربية عدة؛ فالهجمات الإيرانية طالت قواعد أميركية ومواقع في إسرائيل، فيما أصابت الصواريخ والطائرات المسيّرة بنية نفطية ومرافئ في المنطقة. وفي لبنان، واصل “حزب الله” المدعوم إيرانياً إطلاق الصواريخ تجاه شمال إسرائيل، إذ سجّلت القوات الإسرائيلية أكثر من مئتي صاروخ وعشرين طائرة مسيّرة في موجة واحدة من الهجمات، بالتزامن مع وابل صاروخي إيراني على وسط إسرائيل.
ويصف ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق داني سيتيرنوفيتش هذا المشهد بأنه “محاولة إيرانية لتأسيس واقع استراتيجي رادع لأي حرب مستقبلية”، مشيراً إلى أن شروط طهران لإنهاء الصراع ستكون “صعبة للغاية”. وفي حين ترى واشنطن وتل أبيب أنهما تحققان تقدماً ميدانياً مع تراجع الهجمات الإيرانية بنسبة كبيرة، تؤكد طهران أن الصمود بحد ذاته انتصار.
كلفة بشرية واقتصادية فادحة
ووفق وزارة الصحة الإيرانية، تسببت الغارات خلال 13 يوماً في مقتل نحو 1400 شخص، بينهم أكثر من 200 امرأة وطفل، وتشريد 3.2 ملايين مواطن. وبرغم هذه الخسائر، لا تُبدي القيادة الإيرانية استعداداً للتراجع، بل تلوّح بخيارات تصعيدية أخرى، بينها تفعيل حلفائها الحوثيين في اليمن لعرقلة الملاحة عبر البحر الأحمر ورفع الضغط العالمي بشكل متزامن، في تكرار لما حدث خلال فترات توتر سابقة.
ويؤكد الحرس الثوري أن “ليس هناك لتر واحد من النفط سيُسمح له بالمرور عبر هرمز” قبل أن تتوقف الضربات الأميركية والإسرائيلية، محذراً من أن أسعار النفط قد تتجاوز 200 دولار للبرميل، أي أكثر من الرقم القياسي المسجَّل عام 2008.
أما أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، فصرّح بأن المضيق “سيكون إما معبراً للسلام والرخاء للجميع، أو بوابة لهزيمة ومعاناة للمتورطين في الحرب”.
حسابات القوة والردع
وفي ظل تصاعد التوتر، قال أحد كبار مستشاري الحرس الثوري، الأميرال علي فدوي، للتلفزيون الرسمي إن إيران تمتلك طوربيدات فائقة السرعة بتقنية لا تملكها سوى روسيا، مضيفاً أنها “قد تُستخدم قريباً إذا لزم الأمر”.
أما في الجانب الأميركي، فلا تبدو خطط التعامل مع الموقف واضحة. فقد كتب السيناتور الديمقراطي كريستوفر مورفي بعد اجتماع مغلق مع مسؤولين في الإدارة الأميركية أن واشنطن “ليس لديها خطة” لإعادة فتح مضيق هرمز بأمان، مؤكداً على نقص الاستعدادات البحرية.
ويرى عزيزي أن القيادة الإيرانية، المتجذرة في إرث الثورة الإسلامية عام 1979، تعتبر هذه المواجهة “مسألة وجودية”، فهي لا تحتمل الخسارة. ويضيف أن اغتيال خامنئي الأب منح تيار الحرس الثوري المتشدد “حرية غير مسبوقة”، مشيراً إلى أن الجيل الأصغر داخل المؤسسة العسكرية يعتقد بضرورة “تغيير المعادلة نهائياً” لمنع أي هجوم مماثل مستقبلاً.
نظرة ختامية
بين تهديدات واشنطن وحسابات طهران، تعود المنطقة مجدداً إلى حافة مواجهة شاملة قد يتجاوز تأثيرها حدود الشرق الأوسط. فالحرب لم تعد فقط على جبهات القتال، بل على مستقبل أمن الطاقة واستقرار العالم، في وقت يدفع فيه ملايين المدنيين ثمن صراع لا يبدو أن أحد طرفيه مستعد للتراجع فيه خطوة واحدة.












