وطن-في وقتٍ يتجه فيه المسلمون في أنحاء العالم نحو التقرب الروحي خلال شهر رمضان، يعيش الفلسطينيون واقعاً مغايراً تسوده القيود والانتهاكات. تقرير حقوقي جديد أطلقه “المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين” في لندن كشف عن تصاعد مقلق لما وصفه بـ”حملة إسرائيلية منظمة” تستهدف الهوية الدينية والثقافية للمسلمين الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تصعيد ممنهج ضد الرموز الدينية
يؤكّد التقرير أن الاعتداء على المساجد في غزة والضفة الغربية، إلى جانب الإجراءات العقابية المفروضة على المصلين في المسجد الأقصى، ليست حوادث منفصلة، بل سياسة تهدف إلى “طمس الحياة الفلسطينية”. وبحسب معطيات المركز، تم تدمير أو تضرير أكثر من 1,160 من أصل 1,244 مسجداً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، ما أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين الذين احتموا داخلها، وبينهم نساء وأطفال.
وفي الضفة الغربية، لم تسلم المساجد من القصف والاستهداف؛ إذ أشار التقرير إلى الغارة الجوية التي أصابت مسجد الأنصار في جنين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، فضلاً عن اعتداءات نفذها مستوطنون ضد مساجد أخرى بحماية من القوات الإسرائيلية.
حرمان من العبادة وتقييد للحريات
في القدس، وثّق التقرير حملة تضييق كبيرة على حرية العبادة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان الحالي، إذ لم يُسمح سوى لحوالي ألفي مصلٍّ بعبور الحاجز الفاصل بين الضفة الغربية والقدس الشرقية لأداء صلاة الجمعة الأولى من الشهر. كما أغلقت الشرطة الإسرائيلية جميع المواقع الدينية في البلدة القديمة بحجة “تدهور الوضع الأمني” بعد هجوم مشترك للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، الأمر الذي أثار استنكار دول ذات أغلبية مسلمة نددت بالإجراءات ووصفتها بـ”غير المشروعة وغير المبررة”.
وأضاف التقرير أن إسرائيل منعت المظاهر التقليدية المرتبطة برمضان في القدس القديمة، مثل تعليق الفوانيس والزينة الرمضانية، ومنعت “المسحّراتي” الذي يوقظ الصائمين قبل الفجر، في حين سمحت في الوقت نفسه باحتفالات صاخبة لعيد “البوريم” اليهودي داخل المدينة، ما دفع التقرير إلى وصف ذلك بأنه “أحد أشكال الفصل الديني الواضح”.
تشريعات تهدد الممارسة الدينية
وفي داخل إسرائيل، أشار المركز إلى مشاريع قوانين طرحها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تسعى إلى حظر رفع الأذان، إلى جانب تعديلات على قوانين مكافحة “الإرهاب” استُخدمت لتجريم فلسطينيين لمجرد نشرهم آيات قرآنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بذريعة دعم “حماس”. هذه الإجراءات، بحسب التقرير، تمثل انتهاكاً صارخاً لحرية المعتقد، وتمتد آثارها إلى كافة مظاهر الحياة الدينية للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل.
واقع إنساني متدهور
قدّرت وزارة الصحة الفلسطينية، عدد ضحايا الحرب في غزة بأكثر من 72 ألف قتيل و171 ألف مصاب منذ أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال وكبار السن. ويرى التقرير أن تدمير المساجد لم يكن أثراً جانبياً للعمليات العسكرية، بل جزءاً من “هدف استراتيجي” يتمثل في القضاء على المأوى الجماعي للسكان المدنيين الذين يجدون فيها ملاذاً من القصف.
دعوات دولية متكررة
أعاد التقرير التذكير بمواقف الهيئات الدولية، ومن بينها محكمة العدل الدولية التي طالبت العام الماضي بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية والضفة الغربية. كما دعا الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى إلزام إسرائيل بوقف الهجمات على المواقع الدينية والثقافية فوراً، واحترام الحقوق الدينية للمسلمين الفلسطينيين.
أصوات من الميدان
من القدس، تحدثت المحامية دانية أبو الحاج، كبيرة المستشارين القانونيين في المركز، قائلة إن السيطرة العسكرية الإسرائيلية جعلت من الأراضي الفلسطينية “سجناً مفتوحاً لا يتسع للهروب أو التنفس”. وأضافت أن الفلسطينيين يعيشون اليوم تناقضاً مريراً، إذ “بينما ينبغي أن تكون الأيام الأخيرة من رمضان وقتاً للتأمل والاستعداد للعيد، يجد كثيرون أنفسهم مطالبين فقط بمحاولة البقاء على قيد الحياة”.
تكشف هذه المعطيات عن جانب من معاناة الفلسطينيين المستمرة بين نيران الحرب وقيود العبادة، حيث يتحول الحق في الصلاة ورفع الأذان إلى معركة يومية في مواجهة سياسات ممنهجة تهدد بإلغاء ملامح الوجود الفلسطيني الديني والثقافي. وبينما تتكرر المطالبات الدولية بوقف هذه الممارسات، يبقى صوت المصلين في شوارع القدس وغزة تذكيراً حياً بأن الإيمان، مهما حُوصِر، لا يُمحى.
قد يعجبك
تحت غطاء “حرب إيران”.. تصاعد هجمات المستوطنين يخلف 3 شهداء فلسطينيين بالضفة
سلاحنا هو بقاؤنا.. قراءة في الرفض الشعبي الفلسطيني لمقترحات “التجريد من السلاح”
مخطط إسرائيلي جديد: كيف تسعى تل أبيب لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية عبر خنق الضفة؟












