وطن-تحتضن إيران واحدة من أغنى الموروثات الثقافية والمعمارية في العالم، إذ تمتد جذورها عبر قرون من التاريخ، من العصور السابقة للإسلام إلى الحقبة الحديثة. ومن أصفهان إلى طهران وخرمآباد، كانت ملامح هذا الإرث الفريد شاهدًا على حضارات متعاقبة، قبل أن تتحول مؤخرًا إلى مسرح للدمار إثر غارات إسرائيلية وأمريكية طاولت معالمه الأبرز.
سياق عام
على مدار أكثر من أسبوعين، استهدفت ضربات متتالية مواقع ثقافية وسياحية في إيران، بعضها مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). وتشير التقارير إلى أن نطاق الأضرار امتد من العاصمة طهران وصولًا إلى مدينة خرمآباد في محافظة لرستان، ما أثار موجة استنكار واسعة، ودفَع مسؤولين إيرانيين إلى وصف ما جرى بأنه “عدوان على حضارة بأكملها”.
جوهر الأزمة
إيران التي تمتلك 29 موقعًا مسجلاً ضمن لائحة التراث العالمي – وهو عدد يضعها في المرتبة العاشرة عالميًا – وجدت نفسها أمام خسائر مادية ومعنوية جسيمة. المواقع التي كانت تمثل ذاكرة معمارية فريدة لأزمنة الساسانيين والصفويين والقاجاريين، تعرضت لأضرار تطال ذاكرة البشرية جمعاء لا مجرد الحجر والزخارف.
الأضرار في طهران
من بين أكثر المواقع رمزية في العاصمة، قصر كلستان الذي تعود جذوره إلى العصر الصفوي وأعيد تزيينه خلال حكم القاجاريين في القرن التاسع عشر. القصر، وهو الموقع الوحيد المسجّل في اليونسكو داخل طهران، تضرّر بفعل انفجار صاروخي وقع في الأول من مارس، أدى إلى تحطم نوافذه وانهيار أجزاء من الزجاجيات والمرايا التي تزيّن جدرانه الداخلية. وأكد رئيس لجنة السياحة والتراث في طهران، السيد أحمد علوي، أن الانفجار ألحق أضرارًا بأبواب “الأرسي” التاريخية ورفع أجزاء من أرضيات الموقع.
يتألف المجمع من ثمانية مبانٍ رئيسية تحيط بها حدائق وأسوار حجرية، وتحوّل معظمها إلى متاحف تحكي مراحل من تاريخ إيران الحديث.
آثار الدمار في أصفهان
تُعرف أصفهان بمآذنها الزرقاء وقبابها المزخرفة التي تعد رمزًا للهوية الفارسية الإسلامية. لكن خلال الهجمات الأخيرة، سُجلت أضرار جسيمة في عدد من مواقعها التراثية، أبرزها قصر جهل ستون – أو “الأربعون عمودًا” – الذي بُني في عهد الشاه عباس الأول الصفوي. الصور التي بثّتها وسائل الإعلام الإيرانية أظهرت تحطم الأبواب والنوافذ وتشقق الجداريات التي صوّرت لحظات من التاريخ الملكي والمعارك القديمة.
كما طال القصف قصر عالي قابو المطل على ساحة نقش جهان الشهيرة، وهو جزء أساسي من المواقع المسجلة في قائمة اليونسكو. المبنى المكوّن من ست طبقات، الذي يعود تاريخه إلى نهاية القرن السادس عشر، أصيب بأضرار في الزجاج والزخارف الداخلية.
ولم تسلم الجامع العتيق في أصفهان من الاستهداف، إذ أفادت تقارير محلية بأن انفجارًا في التاسع من مارس تسبب بتساقط القرميد الفيروزي من قبابه وواجهاته، في موقع يُعد أحد أقدم مساجد إيران وأهم نماذج العمارة الإسلامية المبكرة التي استمرت أعمال ترميمها على مدى قرون.
أما في المجمع الملكي المعروف بـ دولتخانه، فقد أصيبت مبانٍ تعود للقرن السابع عشر، منها جناح “ركبخانه” المخصص سابقًا لحفظ السروج والمعدات الملكية، وقاعتا “أشرف” و”تيموري”، اللتان استخدمتا لاحقًا كمتحف للتاريخ الطبيعي.
خرمآباد… القلعة التي صمدت
في الغرب، نالت قلعة فلك الأفلاك نصيبها من الضربات. فقد استهدفت غارات جوية منطقة القلعة الواقعة أعلى تلة في خرمآباد يوم الثامن من مارس، ما أدى إلى تدمير مبنى إدارة التراث الثقافي لمحافظة لرستان المجاور، وتضررت متاحف الآثار والأنثروبولوجيا داخل المجمع، إلى جانب أبنية عسكرية كانت جزءًا من محيط القصر التاريخي.
رغم ذلك، أكد مدير إدارة التراث في المحافظة، عطا حسنبور، أن البنية الرئيسية للقلعة التي تعود إلى العهد الساساني (القرنان الثالث إلى السابع الميلادي) لم تتعرض لانهيار جسيم.
بعد توعوي وإنساني
تُعد هذه الهجمات سابقة خطيرة في استهداف الموروث الحضاري، إذ تضع المعالم التاريخية – بما تمثله من هوية ثقافية وإنسانية – في قلب النزاعات المسلحة. فالمواقع الأثرية ليست مجرد شواهد لطراز معماري فريد، بل ذاكرة جمعية تحفظ قصص الشعوب وتحولاتها.
ويحذر خبراء التراث من أن استمرار الحرب بهذا النسق يهدد بمحو قرون من التاريخ الإنساني في المنطقة، في وقت تتعالى فيه الدعوات الدولية لتطبيق اتفاقيات حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وعلى الرغم من الركام والزجاج المهشم، يبقى الأمل بأن تعود هذه القصور والمساجد والقلع إلى الحياة مجددًا، وأن تُستعاد مكانتها كرموز لسلامٍ وثقافةٍ تتجاوز حدود السياسة والحرب.
اقرأ أيضا
انقلاب السحر على الساحر.. إيران تشن “حرب استنزاف” سياسية واقتصادية تربك مخططات نتنياهو وترامب
هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران؟ تحليل يكشف مأزق الحرب التي بدأها بنفسه












