وطن-بينما تتجه أنظار العالم إلى سماء طهران وتل أبيب وبيروت، تشهد ميادين أخرى بعيدة ظاهريًا تحولات بطيئة ولكن عميقة. فالتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على جبهاته المباشرة؛ بل يبعث موجات ارتدادية تمتد إلى أوكرانيا والصحراء الغربية، حيث تتغير الحسابات السياسية في صمت.
هذه المرحلة المفصلية تكشف عن ظاهرة عالمية لافتة: انشغال واشنطن بأزمة كبرى في الشرق الأوسط أتاح للاعبين آخرين فسحة من الزمن لإعادة التموضع. غير أن ما يعنيه “شراء الوقت” يختلف من طرف إلى آخر؛ فبالنسبة للبعض هو استراحة استراتيجية، فيما يراه آخرون تأجيلًا حتميًّا لما لا مفرّ منه.
موسكو: استراحة محسوبة وسط دوامة الأزمات
على الجبهة الأوروبية، يبدو الكرملين في وضع مترقب أكثر منه متعجلًا. فبينما تُركّز واشنطن جهودها على الشرق الأوسط، يتابع الرئيس فلاديمير بوتين باهتمام انحسار ضغط البيت الأبيض على الجبهة الأوكرانية. وكما يقول المراقبون، فإن كل ساعة تنصرف فيها واشنطن لاحتواء طهران تعني ساعة إضافية تتنفسها موسكو بحرية.
تتردد شائعات عن احتمال تفكير الإدارة الأميركية بتخفيف جزئي للعقوبات على النفط والغاز الروسي لتخفيف أزمة الطاقة العالمية، وهو ما قد يشكّل طوق نجاة للاقتصاد الروسي إن تحقق. وفي خضمّ تراجع المساعدات العسكرية الأميركية لكييف، تجد أوروبا نفسها تتحمل العبء الأكبر في دعم الحكومة الأوكرانية.
استراتيجية موسكو ليست انتظارًا سلبيًا؛ إنها مرحلة لإعادة ترتيب أوراق الحرب: إعادة تنظيم الاقتصاد، وتعزيز المواقع الميدانية، وتهيئة الأرضية لمفاوضات مستقبلية تجرى من موقع قوة، عندما يصبح الحوار حتميًّا لا مفرًّا منه.
الصحراء الغربية: زمن مختلف على ساعة واحدة
في جنوب المتوسط، تتقاطع المشاهد بزمن مختلف. فبينما تنشغل واشنطن بالشرق الأوسط، تستغل جبهة البوليساريو وحليفتها الجزائر هذا الانشغال لالتقاط أنفاسهما أمام دينامية دبلوماسية تميل بشدة لصالح المغرب.
منذ مطلع العام، نشّط المبعوث الأميركي للشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولوس، لقاءات متتالية في مدريد وواشنطن لدفع مسار سياسي يستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي أقرّ مقترح الحكم الذاتي المغربي كقاعدة لأي تسوية.
الرباط تدرك أن الوقت عنصر حاسم؛ فكل تأخير قد يبدد الزخم السياسي الذي راكمته على مدى سنوات من الاعتراف الدولي المتنامي. في المقابل، ترى الجزائر والبوليساريو أن أفضل ما تملكانه الآن هو إطالة أمد الانتظار، رهانًا على تبدّل موازين القوة بعد الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة، التي قد تحد من قدرة الإدارة الحالية على مواصلة نهجها الخارجي.
مقاومة بوليساريو الهادئة تحت ضغط متزايد
في بيئة دولية تتجه بوضوح نحو دعم المقاربة المغربية، وجيران يواجهون تحديات أمنية في الساحل وليبيا، لم تجد قيادة البوليساريو أمامها سوى انتهاج أسلوب “الصمود الهادئ”. فبعد رفضها العلني للقرار 2797، شاركت على مضض في اللقاءات التي استضافتها مدريد وواشنطن، تحت ضغط أميركي واضح.
وتزايدت حدة هذا الضغط بعد تسرب أنباء عن مشروع قرار في الكونغرس يدعو إلى إدراج الجبهة ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية، ما جعل مقاطعة الاجتماعات مغامرة قد تكلّفها أثمانًا باهظة. لذلك حضرت وفدها من تندوف إلى الطاولة دون طرح مقترحات عملية، مكتفية بالمراهنة على تغيّر أولويات واشنطن، سواء بفعل أزمات إيران أو فنزويلا أو الانتخابات الأميركية المقبلة.
وإذا ما انشغلت الإدارة الأميركية بالمنافسة الداخلية، فقد يجد ملف الصحراء نفسه مجددًا في أدراج “النزاعات المؤجلة”.
صوت صحراوي جديد: حركة السلم
لكنّ المشهد الصحراوي لم يعد أحاديّ الصوت. فبين أبناء الإقليم السابق تحت الاستعمار الإسباني، يتنامى تساؤل صريح: إلى متى ينبغي الانتظار؟
من هذا القلق برزت عام 2020 حركة “الصحراويون من أجل السلم” (MSP)، التي تضم قيادات مدنية وعسكرية سابقة من البوليساريو وشخصيات وازنة من المجتمع الصحراوي، بينهم أحفاد أعضاء “الجماعة” التقليدية ذات الشرعية التاريخية.
تدعو الحركة إلى مقاربة براغماتية تقوم على تسوية واقعية مع المغرب بدل البقاء في منفى مفتوح بلا أفق. ومع بروزها، بدأ بعض المراقبين في واشنطن ومدريد يعتبرونها فاعلًا جديدًا يمكن أن يسهم في كسر الجمود الذي عرقل جهود التسوية منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ويرى محللون أميركيون بارزون، مثل مايكل روبين من معهد “أمريكان إنتربرايز”، أن الخطاب المنغلق للبوليساريو لم يعد يعكس تطلعات المجتمع الصحراوي، مؤكدين أن إدماج الحركة الجديدة في العملية السياسية خطوة ضرورية صوب حل مستقر، فيما ذهب السفير الإسباني الأسبق خورخي ديزكايار إلى الدعوة لاعتبار “السلم” إطارًا بديلًا يمكن أن يفتح طريقًا للخروج من المأزق الراهن.
فرصة سلام تُبدّد نصف قرن من الانتظار
رغم الاتهامات التي تطالها من قيادة البوليساريو، ترى حركة السلم في القرار 2797 نافذة تاريخية لإعادة تعريف مستقبل الإقليم. فخلال عام 2023، قدّمت الحركة مبادرة تمنح سكان الصحراء حكمًا ذاتيًا واسع الصلاحيات، مستوحاة من تجارب كردستان العراق والأقاليم الإسبانية.
وتؤكد الحركة أن اتفاق سلام متوازن، مدعوم بضمانات أميركية ودولية، أفضل من الارتهان لزمن الانتظار اللانهائي. فـ“لا سلام سيئ ولا حرب جيدة”، كما يقال. ولهذا تعلن استعدادها للمشاركة البنّاءة في أي مسار يضع حدًا لعقود التيه ويفتح صفحة أمل حقيقي للشعب الصحراوي.
حين يتحول الزمن إلى خصم
تحت ضوء الصواريخ في سماء الشرق الأوسط، تدور معركة أخرى أقل صخبًا لكنها لا تقل أهمية: معركة التحكم في الزمن. البعض يوظفه لترسيخ مواقع النفوذ، وآخرون يستعملونه لتأجيل حقائق لا يمكن تجنّبها.
لكن بالنسبة للشعوب العالقة في دوامة حروب بلا نهاية — من أوكرانيا إلى الصحراء — لم يعد الزمن حليفًا أو أداة تفاوض، بل عبئًا ثقيلًا. فحين تطول المعاناة ويتكرّر الانتظار بلا أفق، يتوقف الزمن عن كونه فرصة، ويصبح لعنة تطيل عمر الخسائر وتؤجل ميلاد السلام.
اقرأ المزيد
التوسع العسكري بغطاء ديني.. هل يعيد الغرب إحياء “الحروب الصليبية” في إيران؟












