وطن-في خضم التوتر المتفاقم في منطقة الخليج، يلوّح سيناريو جديد يزيد المشهد تعقيدًا؛ إذ تشير تحليلات حديثة إلى أن دخول السعودية في أي مواجهة عسكرية مباشرة ضد إيران قد يفعّل اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته مع باكستان، ما يفتح الباب لتساؤلات حساسة حول إمكانية الاستعانة بقدرات إسلام آباد النووية في حال تصاعدت الحرب.
يأتي هذا التحذير بعد تصريحات الباحث الجيوسياسي السعودي سلمان الأنصاري، الذي أوضح في مقابلة إعلامية أن أي قرار سعودي بالانخراط الكامل في الحرب سيعني عمليًا تفعيل الاتفاق الدفاعي الثنائي، مضيفًا أن “مظلةً نوويةً تحمي السعودية” باتت أمرًا واقعيًا محتملًا في ظل هذه الترتيبات الأمنية.
الاتفاق السعودي‑الباكستاني، الذي وُقّع العام الماضي عقب الهجوم الإسرائيلي على مفاوضي حركة حماس في الدوحة، يقوم على مبدأ مماثل للفصل الخامس من ميثاق “الناتو”، بحيث يُعدّ أي اعتداء على أحد الطرفين هجومًا على كليهما. ووفق البيانات الرسمية للحكومتين، فإن أي عمل عدائي ضد أي من الدولتين سيُلزم الطرف الآخر بالدفاع عنها، وهو ما يعني أن باكستان قد تكون مطالبة بتقديم دعم مباشر إذا تعرضت الأراضي السعودية لهجمات مطوّلة.
خلال السنوات الأخيرة، واجهت السعودية بالفعل هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية مصدرها إيران، استهدفت مواقع حيوية بينها قاعدة الأمير سلطان الجوية والسفارة الأمريكية في الرياض، إضافة إلى منشآت النفط والبنية التحتية للطاقة. كما تأثرت صادراتها النفطية نتيجة تحكم طهران بمضيق هرمز، رغم أن خط الأنابيب الذي يربط بين الخليج والبحر الأحمر مكّن المملكة من تجاوز الحصار الاستراتيجي جزئيًا والمحافظة على تصدير نحو أربعة ملايين برميل يوميًا من الخام، مقابل سبعة ملايين قبل اندلاع الحرب.
وعلى الصعيد السياسي، سعت الرياض إلى ثني واشنطن —خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب— عن التورّط الكامل في الحرب ضد إيران، إلا أن تصاعد الاعتداءات جعل النقاش داخل الأوساط السعودية أكثر انفتاحًا حول حدود الدعم المقدم للتحالف الأمريكي‑الإسرائيلي، واحتمال مشاركة فعلية في العمليات الهجومية.
الاتفاق الدفاعي مع باكستان أضاف بعدًا جديدًا للصراع، إذ يرى محللون أنه قد يوسّع رقعة الحرب خارج حدود الشرق الأوسط إذا لم تُحتوَ تداعياته. ومع ذلك، استمرت السعودية في الاستعانة بباكستان كوسيط دبلوماسي مع طهران. فقد كشف وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار عن أنه ناقش الاتفاق مباشرة مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، مؤكدًا أن “لبلاده اتفاقًا دفاعيًا مع السعودية”، وأن طهران طلبت ضمانات بألا تُستخدم الأراضي السعودية كمنطلق لأي هجوم عليها.
وتعتمد باكستان بدورها على واردات النفط والغاز من الخليج، ما يجعل استقرار المنطقة أمرًا حيويًا لاقتصادها. وفي مؤشر على علاقات الملاحة المتشابكة، أصبحت سفينة كراتشي الباكستانية —المعروفة باسم لوركس— أول ناقلة تحمل نفطًا غير إيراني وتعبر مضيق هرمز هذا الأسبوع وهي تُظهر بيانات تتبعها الرسمية. وتعود السفينة لشركة الشحن الوطنية الباكستانية الحكومية، وكانت حمولتها من النفط الإماراتي، في تحرك يرى خبراء أنه تم بالتنسيق مع السلطات الإيرانية نفسها.
يرى مراقبون أن هذا التداخل الاستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد يعكس حجم الرهانات الإقليمية المقبلة، فالتفاهمات العسكرية، مهما بدت رادعة، يمكن أن تتحول إلى شرارة توسّع النزاع إذا لم تُضبط ضمن أطر سياسية متوازنة. وفي ظل هشاشة التهدئة الحالية، تبقى مفاتيح التصعيد أو التهدئة بيد العواصم الثلاث: الرياض، إسلام آباد، وطهران — وكل خيار تتخذه إحداها قد يعيد رسم ملامح الأمن في الخليج برمّته.
قد يعجبك
تحالف “الغموض الاستراتيجي”.. هل تتدخل باكستان عسكرياً لحماية السعودية من التهديدات الإيرانية؟
تركيا تبحث الانضمام إلى التحالف الدفاعي الباكستاني السعودي في مفاوضات متقدمة












