وطن-في القدس، لا يُقاس الزمن بعقارب الساعة، بل بعدد الصلوات التي مُنعت، وبعدد القلوب التي تقف عند الأبواب المغلقة تنتظر لحظة عبور. هناك، يقف المسجد الأقصى في صمت ثقيل، لا يعكس فراغًا، بل امتلاءً بالدعاء المؤجل، وبحضورٍ غائب لم يصل بعد.
ومع كل تصعيد ميداني وإجراءات تقيد وصول المصلين، يتحول المشهد من مجرد حدث أمني إلى اختبار حقيقي للإرادة الجماعية. فإغلاق الأبواب لا يعني فقط منع الدخول، بل يطرح سؤالًا أعمق: من سيبقى على العهد، ومن سيتراجع تحت وطأة الواقع؟ في هذا السياق، تتصاعد الدعوات إلى “الرباط” باعتبارها فعل حضور يتجاوز المعنى التقليدي للصلاة، ليصبح تعبيرًا عن موقف في لحظة حساسة من تاريخ المدينة.
في خضم ذلك، يبرز صوت عكرمة صبري، الذي يدعو إلى التوجه نحو الأقصى ليس فقط لأداء الشعائر، بل لتأكيد الوجود. دعوة تحمل في طياتها أبعادًا رمزية، حيث تتحول الخطوة نحو المسجد إلى رسالة، والحضور إلى فعل يتجاوز الفرد ليعكس حالة جماعية أوسع.
بالتوازي، لا يمكن فصل ما يجري في القدس عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تستمر الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة، في وقت تتراجع فيه القضية الفلسطينية في بعض دوائر الاهتمام الدولي. هذا التراجع لا يلغي مركزية الأقصى، بل يعيد التأكيد على رمزيته كأحد أبرز نقاط التوتر في المنطقة.
ورغم القيود المفروضة، يبقى الأقصى مساحة مفتوحة للمعنى، حيث لا تُقاس السيطرة فقط بالإجراءات، بل بمدى قدرة الناس على الوصول، والتمسك بالحضور. فالمكان، في جوهره، لا يُغلق بقرار، ولا يُفتح بمفتاح، بل يُفتح حين تمتلئ الطرقات بالمصلين، وحين يتحول الدعاء إلى فعل ملموس.
في النهاية، تبدو الصورة في القدس أكثر من مجرد مشهد ديني أو سياسي؛ إنها لحظة اختبار مستمرة، يتداخل فيها الإيمان بالموقف، والحضور بالمعنى. وبين أبواب تُغلق وأخرى تُفتح، يبقى السؤال معلقًا: هل يتحول النداء إلى استجابة، أم يبقى الصمت سيد المشهد؟
اقرأ أيضاً
الأقصى في “غلالة سوداء”.. إغلاق المسجد أمام المصلين يكتب فصلاً مظلماً في تاريخ فلسطين
بن غفير يقود اقتحامًا جديدًا للمسجد الأقصى وسط توتر أمني متصاعد












