وطن-في مشهد لبناني مثقل بالدمار والضبابية السياسية، أعادت تطورات الأشهر الأخيرة رسم صورة «حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية العنيفة عام 2024، إذ تشير المعطيات إلى أن الحركة التي ظنّ خصومها أنها انهارت، كانت في الواقع تُعيد نفسها من الداخل استعدادًا لجولة جديدة من المواجهة.
سياق الحرب والتوقف القصير
فبعد أكثر من عام من القتال الذي اندلع على خلفية حرب غزة، أُعلن وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. حينها، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما جرى بأنه ضربة أعادت حزب الله عقودًا إلى الوراء، مؤكدًا تدمير الصواريخ الكبرى واغتيال قياداته الأولى. تصريحات مشابهة صدرت من مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن «انهيار شبه كامل» لقدرات الحزب، بينما في بيروت أيضًا ارتفعت أصوات رسمية تتحدث عن «حصرية السلاح بيد الدولة» ونهاية الوجود العسكري للحزب جنوبي الليطاني.
لكن ما بدا في العلن نهاية الحرب، حمل في داخله شيئًا مختلفًا. فبحسب مصادر مطلعة على عملية التعافي الداخلي للحزب، بدأ العمل في اليوم التالي مباشرة على إعادة التنظيم وإعادة بناء الهيكل العسكري. كان التقدير داخل صفوفه أن الهدوء مؤقت، وأن معركة أخرى مقبلة لا محالة.
إعادة بناء ما تهدّم
الضربات الإسرائيلية في خريف 2024 أصابت الحزب في صميم قيادته؛ إذ أدت التفجيرات الجوية إلى مقتل عدد من كبار القادة، بينهم الأمين العام حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، كما أسفرت عملية تفجير أجهزة الاتصال عن كشف واسع لشبكاته. وصف أحد المصادر تلك المرحلة بقوله إن القيادة كانت «مشتتة ومكبّلة»، إلا أن «ثبات المقاتلين على الحدود مكّن من التقاط الأنفاس وإعادة التموضع».
بدأت بعدها عملية منظمة لاستعادة القدرات. لم تقتصر الجهود على ترميم البنية العسكرية الأساسية، بل شملت محاولة لإحياء المنظومة شبه الكاملة لما قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما فيها الهيكل والتنظيم الميداني. وبحلول ديسمبر/كانون الأول 2025، أبلغ القادة العسكريون القيادة بأن كل ما أمكن ترميمه قد أُعيد، رغم أن بعض المنظومات الحساسة، ولا سيما الدفاع الجوي، بقيت محدودة بسبب الخسائر غير القابلة للتعويض.
مراجعة داخلية وبناء جديد
توضح المصادر أن الحزب أعاد النظر جذريًا في منظومته الأمنية والاتصالية بعد أن تبين مستوى الاختراق الإسرائيلي. فبدل الاعتماد على شبكات الاتصال الرقمية التي أصبحت مكشوفة، عاد الحزب إلى الوسائل التقليدية: مراسلون بشريون، ملاحظات خطية، وخطوط تواصل منفصلة بين القيادة والوحدات الميدانية. لم تُترجم هذه العودة إلى الوراء ضعفًا، بل جرى النظر إليها كتكيف ضروري لضمان البقاء.
ترافق ذلك مع مراجعة هيكلية شاملة أعادت الاعتبار لما تسميه مصادر الحزب «روح مغنية» — في إشارة إلى القائد الراحل عماد مغنية — أي نمط الوحدات الصغيرة المستقلة التي تعمل وفق خطوط توجيه عامة بدل الأوامر المركزية المباشرة. هذه الصيغة جعلت التنظيم أكثر مرونة وأقل عرضة للاختراق، حتى لو قلّت سرعة التنسيق بين ميدانه وقيادته.
حضور خفي في الجنوب
رغم أن اتفاق وقف النار نصّ على خلو المنطقة بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني من أي وجود مسلح للحزب، تقول المصادر إن الواقع الميداني كان أكثر تعقيدًا. فبدل انتشار التشكيلات الكبيرة، اعتمد الحزب على خلايا متناثرة وعناصر محدودة أعادت ترميم بعض المواقع المتضررة وتنشيط أخرى لم تُكشف سابقًا. بهذا الأسلوب، ظل الحزب حاضرًا دون ضجيج، يعيد ترسيخ وجوده بطريقة بطيئة وصامتة.
وفي وقت كانت السلطات اللبنانية تتحدث عن «حصر السلاح»، كانت إسرائيل تواصل تنفيذ غارات محدودة متهمةً الحزب بإعادة تسليح نفسه، فيما ظلّ الهدوء هشًّا ومليئًا بالاشتعالات المتقطعة. فمنذ سريان الهدنة حتى مطلع الشهر الماضي، قُتل نحو 400 شخص في لبنان، معظمهم بفعل الغارات الإسرائيلية.
خطوط الإمداد والمرحلة الجديدة
أحد أبرز أسباب الثقة الإسرائيلية والأمريكية بانهيار الحزب كان فقدانه خطوط إمداده التي مرت لعقود عبر سوريا. ومع انهيار سلطة دمشق بعد سقوط الرئيس بشار الأسد، أعلن الأمين العام الجديد نعيم قاسم أن ذلك الخط انتهى. غير أن فوضى المرحلة نفسها أتاحت للحزب فرصة سريعة لإفراغ مخازنه قبل أن تُدمَّر، ولإعادة بناء مخزون من الصواريخ والطائرات المسيّرة بمساعدة إيران وإنتاج محلي.
ومع أن بعض القدرات المتقدمة بقيت محدودة، فإن الأسابيع الأخيرة من المواجهة أثبتت – بحسب مراقبين – أن الحزب استعاد قدرته النارية. ففي الثاني من مارس/آذار أطلق نحو ستين طائرة مسيرة وصاروخًا، تبعتها دفعة مماثلة في اليوم التالي، ثم تصاعد الإيقاع تدريجيًا ليصل إلى أهداف في جنوب إسرائيل، بينها عسقلان ومستوطنات قريبة من غزة.
ما بين الانكسار والتموضع
المشهد الحالي يشي بأن الحزب خرج من مرحلة «الانكسار» المعلنة إلى ما يمكن وصفه بـ«إعادة التموضع». التنظيم الذي وصفه خصومه بـ«المنهار» عاد ليقصف ويقاتل على جانبي الحدود، معتمدًا نموذجًا أقل وضوحًا وأكثر قدرة على الصمود في المدى الطويل.
وكما نقل أحد المصادر عن مسؤول إعلامي سابق في الحزب قوله: «حزب الله ليس حزبًا، بل أمة، والأمم لا تموت»، وهو ما بات اليوم شعارًا يعبر عن واقع إعادة تشكل تنظيمٍ خاضعٍ للضربات لكنه لا يزال فاعلًا في الميدان.
ختام توعوي
تُظهر هذه التطورات أن فترات الهدوء في مناطق النزاع قد تخفي خلفها عمليات إعادة بناء عميقة، وأن فهم المشهد الأمني في لبنان لا يكون من خلال البيانات السياسية وحدها، بل من خلال متابعة دينامية الصراع ذاته. فالحرب، وإن توقفت في ظاهرها، قد تكون في باطنها جولة تحضيرية قيد الصياغة تنتظر شرارة جديدة لبدئها.
اقرأ المزيد
تجاوز الخطوط الحمراء: هل بدأت مواجهة ‘حزب الله’ الشاملة رداً على قصف إيران؟
بين مطرقة الحرب وسندان الداخل.. حزب الله يواجه أصعب اختبار لوجوده منذ الثمانينات












