وطن-في تطور لافت داخل أروقة القضاء الدولي، خلصت لجنة قضائية مستقلة مكلّفة من الهيئة العليا المشرفة على المحكمة الجنائية الدولية إلى أن التحقيق الأممي في مزاعم سوء السلوك ضد المدعي العام للمحكمة، كريم خان، لم يثبت وقوع أي مخالفة أو إخلال بالواجب المهني.
وجاء هذا القرار ليضع حدًا لأشهر من الجدل والتكهنات التي أحاطت بالمؤسسة القضائية التي تقود أبرز ملفات العدالة في العالم.
غموض دام عامًا ومحاكمة للرأي العام
منذ نهاية عام 2024، خضع خان لتدقيق غير مسبوق بعد أن تسرّبت معلومات عن شكوى تتعلق باعتداء جنسي قدمتها إحدى الموظفات، في وقت كان المدعي العام يقود تحقيقًا حساسًا حول احتمال ارتكاب قوات إسرائيلية جرائم حرب في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومع تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية، قرر خان الحصول على إجازة طوعية من منصبه في مايو 2025 بانتظار نتائج التحقيق، تاركًا إدارة المكتب لمساعديه.
لجنة ثلاثية ومراجعة دقيقة
اللجنة المؤلفة من ثلاثة قضاة، والمكلفة من مكتب الجمعية العامة للدول الأعضاء في المحكمة، اطلعت على تقرير موسع صادر عن مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، يبلغ نحو 150 صفحة ويتضمن خمسة آلاف صفحة من الأدلة الداعمة.
واستغرقت اللجنة ثلاثة أشهر لمراجعة الوثائق والمقابلات، قبل أن تخلص بالإجماع إلى أن الوقائع المعروضة “لا تُظهر أي مخالفة أو إخلال بالواجب” وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية اطلعت على محتوى التقرير السري.
خطوات قانونية وإجراءات لاحقة
قدّم القضاة تقريرهم إلى المكتب التنفيذي للجمعية في التاسع من مارس 2026، ومن المقرر أن تبدي الجمعية تقييمها الأولي خلال 30 يومًا من تاريخ التسليم، على أن يمنح خان مهلة مماثلة للرد، ثم تُتخذ خلال ثلاثين يومًا أخرى خطوة الحسم النهائي بإغلاق الملف أو استكمال الإجراءات.
وفي حال اعتماد المكتب لنتيجة اللجنة القضائية، يُفترض أن يُغلق التحقيق رسميًا دون أي تبعات قانونية أو إدارية على المدعي العام.
خلفية الضغوط والتهديدات
القضية تزامنت مع واحدة من أكثر مراحل المحكمة الجنائية الدولية حساسية، بعدما طلب خان في مايو 2024 أوامر توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، على خلفية الانتهاكات الموثقة في غزة.
هذا التحرك قوبل بحملة ضغوط قوية من إسرائيل وحلفائها، أبرزهم الولايات المتحدة، شملت تهديدات بفرض عقوبات مالية وقيود تأشيرات. وبالفعل، نفّذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير 2025 عقوبات ضد خان وعدد من معاونيه وقضاة في المحكمة ومسؤولين أمميين ومنظمات فلسطينية.
وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر دبلوماسية العام الماضي أن وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد كاميرون أجرى اتصالًا هاتفيًا بخان في أبريل 2024، ملوّحًا بانسحاب لندن من المحكمة إذا صدرت أوامر التوقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين. الخارجية البريطانية أكدت لاحقًا حصول الاتصال لكنها امتنعت عن الخوض في تفاصيله.
ما وراء الاتهامات
يوضح تسلسل الأحداث الذي قدمه خان لاحقًا للمحكمة أن علمه بالاتهامات جاء في الثاني من مايو 2024، أي في اليوم نفسه الذي كان يعتزم فيه إعلان طلب أوامر التوقيف.
ورداً على مزاعم إسرائيل بأنه استعجل الخطوة للتغطية على التحقيق ضده، وصف خان تلك الرواية بأنها “مبنية على تكهنات مضللة وافتراضات بلا أساس”. وأكد أن قرار إصدار أوامر التوقيف اتخذ بعد “عملية مراجعة دقيقة امتدت لأشهر”، استندت إلى معايير قانونية صارمة.
استعادة الثقة
مع صدور تقرير اللجنة القضائية، يبدو أن المحكمة الجنائية الدولية تستعد لإغلاق أحد أكثر فصولها حساسية منذ تأسيسها. غير أن هذا الملف، بما رافقه من تسريبات واتهامات وضغوط سياسية، ترك أثرًا واضحًا على صورة المؤسسة أمام الرأي العام الدولي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام كريم خان وفريقه — متى عاد رسميًا إلى منصبه — إعادة ترميم الثقة في جهاز العدالة الدولية ومواصلة الملفات الشائكة التي تعهدت المحكمة بمتابعتها، من فلسطين إلى سواها من مناطق النزاع في العالم.
قد يعجبك
تهديدات إسرائيلية للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان
بين “الحرب الكبرى” والصفقة الشاملة.. ماذا طلب نتنياهو من ترامب بخصوص إيران وغزة؟












