وطن-لم يعد ما يجري في جنوب سوريا مجرد تصعيد عسكري عابر، بل يبدو كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فمع تعثر الحسم في جبهة جنوب لبنان، تتجه الأنظار شرقًا، حيث تسعى إسرائيل إلى فتح ساحة ضغط جديدة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة مباشرة.
في هذا السياق، يقود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقاربة تقوم على توسيع نطاق الضغط، ليس عبر مواجهة تقليدية، بل من خلال ضربات محدودة ومتكررة في الجنوب السوري، مدعومة بتصعيد إعلامي محسوب. الهدف، وفق مراقبين، ليس الحسم العسكري، بل إرباك الحسابات السورية ودفعها إلى إعادة التموضع.
هذه الاستراتيجية تأتي بعد أسابيع من المواجهات مع حزب الله، حيث لم تحقق تل أبيب اختراقًا حاسمًا. لذلك، يبدو أن نقل الضغط إلى الساحة السورية قد يكون محاولة لتغيير قواعد اللعبة وخلق توازن جديد يفرض نفسه على مجمل المشهد الإقليمي.
مصادر دبلوماسية تشير إلى أن إسرائيل تعمل على بناء “معادلة ضغط مركبة”، تقوم على عنصرين أساسيين: أولًا، رفع كلفة بقاء دمشق خارج المواجهة عبر استهدافات متكررة؛ وثانيًا، التلويح بتهديدات مرتبطة بالبنية الصاروخية في منطقة البقاع، بما قد يشكل ضغطًا أمنيًا إضافيًا على صانع القرار السوري.
الرسالة التي تصل إلى دمشق واضحة: الحياد لم يعد خيارًا مريحًا.
لكن في المقابل، تبدو القيادة السورية أكثر حذرًا من أي وقت مضى. فبالنسبة لها، فإن الانخراط في مواجهة مفتوحة قد يفتح جبهة استنزاف طويلة على الحدود اللبنانية – السورية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تثبيت الاستقرار الداخلي بعد سنوات من الحرب.
في هذا الإطار، تؤكد مواقف رسمية أن أحمد الشرع شدد في اتصالاته مع أطراف لبنانية وعربية على أن سوريا لا تنوي التدخل في لبنان، ولا ترى مصلحة لها في مواجهة مع حزب الله في المرحلة الحالية. أولوية دمشق، وفق هذه المقاربة، تبقى إعادة الإعمار وتجنب الانزلاق إلى صراع جديد.
في الخلفية، تلعب الولايات المتحدة دورًا أقل صخبًا لكنه حاضر، من خلال ضغوط استخبارية ومحاولات للاستفادة من المعطيات التي تمتلكها دمشق حول البنية العسكرية في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية.
إقليميًا، يتحرك مسار دبلوماسي صامت تقوده أطراف مثل تركيا وقطر والسعودية، إضافة إلى قوى غربية، بهدف منع انزلاق سوريا إلى قلب المواجهة، والحفاظ على قدر من التوازن الهش.
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام معادلة دقيقة: إسرائيل تسعى إلى توسيع نطاق الضغط وفرض قواعد اشتباك جديدة، بينما تحاول سوريا البقاء خارج أتون الحرب، ولو بثمن متزايد.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح تل أبيب في جرّ دمشق إلى هذه المواجهة غير المباشرة؟ أم تتمكن سوريا من المناورة والبقاء خارج الصراع، ولو مؤقتًا، في انتظار تبدّل موازين القوى؟
قد يعجبك
عبدالله الشريف بعد اتفاق سوريا وإسرائيل: «يا عيب الشوم»… تطبيع بلا سفارات؟
تحقيق واشنطن بوست يكشف دعم إسرائيل السري لميليشيا درزية في سوريا بعد سقوط الأسد لمنع توحيد البلاد
ترامب يرفع العقوبات عن سوريا ويثير تساؤلات حول عودتها الدولية












