وطن-بين مياه الخليج التي تختزن ما يقارب خمس الطاقة العالمية، تتجه الأنظار مجددًا إلى مضيق هرمز، حيث يتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وسط مؤشرات تنذر بتحوّل استراتيجي قد يعيد رسم موازين القوة العالمية، تمامًا كما فعلت أزمة السويس عام 1956 حين أفلت بريطانيا من موقعها الإمبراطوري وتقدمت أمريكا لتملأ الفراغ.
من السويس إلى هرمز: مقارنات غير بعيدة
تكرّر اليوم ملامح مشهد عرفه التاريخ منتصف القرن الماضي. فحين قرّر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، لم يكن الأمر محصورًا في صراع على ممر مائي، بل كان إعلانًا سياسيًا ضد إرث استعماري فقد توازنه المالي والعسكري بعد الحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من التفوق العسكري البريطاني – الفرنسي المدعوم إسرائيليًا يومها – إلا أن الضغوط الأمريكية الاقتصادية وخاصة على الجنيه الإسترليني أجبرت لندن على التراجع مهزومة سياسياً، لتنتهي فعليًا مرحلة نفوذها المركزي في الشرق الأوسط وتُفتح الطريق أمام واشنطن لتتبوأ موقع القوة الحاكمة في المنطقة.
أمريكا اليوم… وبدايات الانحسار
بعد سبعة عقود، تجد الولايات المتحدة نفسها في بيئة مشابهة من حيث المبدأ: تفوق عسكري لا يقابله تفوق استراتيجي، واقتصاد مثقل بديون تتجاوز 39 تريليون دولار، ومسرح عمليات ممتد من أوروبا الشرقية إلى المحيط الهادئ.
وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط لسنوات محور الاستراتيجية الأمريكية، أصبحت اليوم واحدة من ساحات نزاعات متعددة تستنزف مواردها وتضعف قدرتها على فرض نتائج حاسمة، فيما تنعكس حالة الإنهاك الداخلي في فتور الدعم الشعبي لأي تورط عسكري طويل.
هرمز… العصب العالمي للطاقة
يمرّ عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم، ما يجعل أي توتر هناك مصدر قلق فوري للأسواق الدولية.
تمتلك إيران موقعًا جغرافيًا حاسمًا على جانبي المضيق، وتعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة وتكتيكات الحرب غير المتكافئة، ما يمنحها قدرة تأثير تتجاوز حجمها العسكري التقليدي.
في الوقت ذاته، تطرح طهران مطالب واضحة: إنهاء العدوان الأمريكي والإسرائيلي، رفع العقوبات، إغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، وتعويض الأضرار، إضافة إلى وضع ترتيبات تضمن أمن الممر المائي بما يخدم مصالحها ومصالح دول المنطقة.
اختلال القوة وتغيّر النظام الدولي
التجربة التاريخية تُظهر أن التفوق في السلاح لا يضمن النصر السياسي. فكما فشلت بريطانيا في تحويل مكاسبها العسكرية إلى إنجاز سياسي، يواجه الأمريكيون معضلة مماثلة: أي تصعيد قد يعطل إمدادات الطاقة ويهز الاقتصاد العالمي، بينما يؤدي التراجع دون تحقيق أهدافهم إلى كشف حدود القوة الأمريكية.
إيران، في المقابل، تركز على أهداف أقل طموحًا وأكثر واقعية: البقاء، الردع، وضمان حرية حركتها الإقليمية. وهذا النوع من الأهداف – كما تُبين دروس التاريخ – غالبًا ما يُكسب الطرف الأضعف ظاهريًا معركة الصمود الطويل.
تحولات أعمق من ساحة الصراع
تآكل النفوذ الأمريكي لا يعني بالضرورة ظهور قوة إمبراطورية بديلة كما حدث بعد السويس. بل يبدو العالم متجهاً نحو تعددية أقطاب تشارك فيها الصين وروسيا إلى جانب فاعلين إقليميين يسعون لاستقلال قرارهم.
في هذا الإطار، يضعف الدور الإسرائيلي الذي ظلّ معتمدًا تاريخيًا على المظلة الأمريكية. ومع تصاعد كلفة هذا الدعم، تتراجع قدرة “إسرائيل” على فرض إرادتها دون غطاء دولي صلب، ما يعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الإقليمي بوصفها محور التوازنات المستقبلية.
دروس التاريخ تتكرر بلغة جديدة
تُظهر الأزمات الكبرى أن الإمبراطوريات لا تسقط في ميدان المعركة فقط، بل حين تفقد قدرتها على تحويل قوتها إلى نفوذ سياسي مستدام. وإذا كانت أزمة السويس قد أنهت الإمبراطورية البريطانية وولّدت الهيمنة الأمريكية، فإن ما يجري اليوم حول مضيق هرمز قد لا يفرز وريثًا جديدًا، بل بداية تآكل فكرة السيطرة الأحادية نفسها. وهكذا، يبدو أن التاريخ يعيد منطقه الأبدي: من يعجز عن المواءمة بين القوة والعقل الاستراتيجي، يبدأ رحلة الانحسار مهما بلغ جبروته.
اقرأ المزيد
طهران ترفض “خطة ترامب للسلام” وتطرح 5 شروط مضادة.. أبرزها السيطرة على مضيق هرمز
بين “هرمز” والجبال الشاهقة.. كيف تحمي الطبيعة العمق الاستراتيجي لإيران؟
أوروبا تخذل واشنطن.. حلفاء “الناتو” يرفضون المشاركة في فتح مضيق هرمز عسكرياً












