وطن-منذ عقود وإسرائيل تمضي في نهج ثابت يقوم على التوسّع والسيطرة وممارسة القمع بحقّ الفلسطينيين وجيرانها، غير أنّ الحملات السياسية والإعلامية الغربية ما زالت تميل إلى تركيز اللوم على شخص محدّد هو بنيامين نتنياهو، وكأنه استثناء في تاريخ الدولة العبرية. هذا التبسيط، كما يرى خبراء ومؤرخون، يحجب مسارًا ممتدًا من السياسات الاستعمارية التي شارك في صناعتها جميع رؤساء الحكومات الإسرائيلية دون استثناء منذ عام 1948.
جذور الصورة المضلِّلة
تعود جذور هذا الخطاب إلى اتجاه في الغرب – بل داخل الأوساط الإسرائيلية ذاتها – يسعى إلى إظهار مراحل من تاريخ الدولة على أنّها كانت أكثر “اعتدالاً” قبل صعود نتنياهو. إلا أنّ الوقائع التاريخية، كما تشير وثائق إسرائيلية وتصريحات قادتها، تكشف أنّ العنف ضد المدنيين والتهجير المنظم وسياسات الاستيطان سبقت حكومات اليمين الحالية بسنوات طويلة.
من بن غوريون إلى بيغن: عقيدة واحدة بأوجه متعدّدة
عقيدة استهداف المدنيين وتهجير السكان لم تبدأ مع نتنياهو. فمؤسس الدولة، دافيد بن غوريون، وضع عام 1948 أسس الردّ العسكري القاسي ضد القرى الفلسطينية، معتبرًا أنّ القوّة “المدروسة” هي الطريق إلى فرض الوقائع الميدانية. لاحقًا، أعادت حكومات حزب العمل المتعاقبة تطبيق هذه العقيدة في الضفة الغربية وقطاع غزة عقب احتلال عام 1967، عبر هدم قرى بأكملها وترحيل سكانها وتجريف أحياء تاريخية في القدس الشرقية مثل حي المغاربة.
وفي مطلع الثمانينيات، حين تعرّض مناحيم بيغن لانتقادات بعد قصف بيروت، ذكّر منتقديه بأنّ ما يقوم به ليس سوى استمرار لسياسات أسلافه، مقدّمًا قائمة بأكثر من ثلاثين عملية عسكرية ضد مدنيين أمرت بها حكومات العمل التي سبقته. لم ينكر خصمه وزير الخارجية الأسبق أبا إيبان الوقائع، بل اكتفى بالدفاع عن “حاجة إسرائيل الأمنية”.
العنف الداخلي والاستيطان: سياسة مستمرة
الاعتداءات اليومية للمستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية تُقدَّم اليوم على أنّها ظواهر وليدة التطرف اليميني، لكن شرارتها الأولى اشتعلت في منتصف السبعينيات حين ظهرت مجموعات يهودية مسلّحة مثل “الإرهاب ضد الإرهاب”، التي استهدفت مدنيين فلسطينيين بتغطية ضمنية من حكومة عُماليّة. كما واصل الجيش وحكومات متعاقبة دعم التوسّع الاستيطاني المنهجي، بدءًا من “خطة آلون” عام 1967 التي صُممت لضمّ أجزاء واسعة من الضفة وغزة، وصولاً إلى مشاريع الضمّ المعلنة في السنوات الأخيرة.
القدس والتهويد: من الخرائط إلى التنفيذ
منذ الأيام الأولى للاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية، عمدت سلطات الاحتلال إلى توسيع “الحي اليهودي” عشر مرات عن مساحته الأصلية، وصادرت آلاف البيوت الفلسطينية تحت ذريعة التنظيم أو الآثار. بعد ضمّ المدينة رسميًا عام 1980، تكثّفت عمليات إخراج السكان الفلسطينيين وسحب هوياتهم. ما يجري اليوم من إغلاق المسجد الأقصى ومنع المسيحيين من الوصول إلى كنائسهم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل متواصل منذ سبعة عقود.
من سيناء إلى غزة: خطة الترحيل لا تتوقف
الحديث الإسرائيلي عقب حرب 1967 عن “نقل” اللاجئين من غزة إلى سيناء أو دول أخرى لم يكن اقتراحًا فرديًا، بل نوقش داخل مؤسسات الحكم الإسرائيلية آنذاك. كان رئيس الوزراء ليفي إشكول قد رأى في التجربة اليونانية–التركية في تبادل السكان نموذجًا يحتذى. لذلك، حين تُطرح اليوم سيناريوهات طرد سكان غزة بعد الحرب الجارية منذ أكتوبر 2023، فإنها تمثل امتدادًا مباشرًا لتلك الرؤية القديمة.
سياسة واحدة بأسماء مختلفة
المراجعة التاريخية تُظهر أنّ كل الحكومات الإسرائيلية، من بن غوريون وموشيه دايان وصولًا إلى نتنياهو، تشترك في رؤية تعتبر الأرض المحتلة “ملكًا تاريخيًا” وحقًا يجب تثبيته بالقوة. التباين بينها يكمن فقط في الأسلوب واللغة السياسية. ولذلك فإن اختزال الجرائم بحق الفلسطينيين في عهد نتنياهو وحده يمنح الغطاء الأخلاقي لبقية التاريخ الإسرائيلي ويبرّئ نظامًا استيطانيًا بُني أساسًا على الإقصاء والعنف.
إنّ إدراك هذا التسلسل التاريخي لا يهدف إلى المقارنة بين القادة الإسرائيليين بقدر ما يسلّط الضوء على بنية فكرية ثابتة تشكّل جوهر المشروع الصهيوني منذ ولادته. أي حديث عن “انحراف” في السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة يتجاهل حقيقة أن الاحتلال والتمييز والعقوبات الجماعية لم تكن استثناءً بل قاعدة.
إن تحميل سياسي واحد مسؤولية الجرائم الإسرائيلية يُسهِم في تبرئة النظام نفسه، بينما الحقيقة الأوضح، عبر كل العقود، أنّ ما نشهده اليوم ليس سوى استكمالٍ لتاريخٍ واحدٍ من التوسّع والإقصاء والإنكار.
اقرأ المزيد
ديفيد هيرست: لماذا يُعد ترامب ونتنياهو الرجلين الأكثر خطورة على كوكب الأرض؟”
هروباً من المحاكم أم بحثاً عن “نصر مطلق”؟.. أسرار رغبة نتنياهو في إشعال الشرق الأوسط












