وطن-تدخل تونس مرحلة اقتصادية دقيقة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد اندلاع الصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فمنذ اندلاع الحرب أواخر فبراير، ارتفعت أسعار النفط والغاز على نحوٍ غير مسبوق، لتتسع بذلك دائرة القلق في بلدٍ يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة لتشغيل اقتصاده.
وعلى الرغم من أنّ الاقتصاد التونسي كان يعاني أصلاً من تباطؤ النمو واختلالات هيكلية منذ سنوات، فإنّ الأزمة الراهنة جاءت لتضاعف الضغط على المالية العامة وتثير المخاوف من عجز متزايد وتضخم متسارع وتراجع في احتياطي العملات الأجنبية.
قلق متصاعد من تداعيات ارتفاع أسعار النفط
يحذّر خبراء الاقتصاد من أنّ القفزة الحادة في أسعار الطاقة قد تتسبب في سلسلة تفاعلات داخل السوق المحلية، تطال الموازنة، الأسعار، ومستوى المعيشة على السواء. فميزانية الدولة للسنة المالية 2026 وُضعت على أساس سعرٍ تقديري لبرميل النفط يبلغ 63 دولارًا، بينما يتداول خام برنت حاليًا عند نحو 107 دولارات. هذا الفارق يضع الحكومة أمام معضلة تمويل إضافية قد تتجاوز 11 مليار دينار تونسي.
ويُرجّح محللون أن تضطر الدولة لتحمّل جزء من الفاتورة الإضافية للطاقة، ما سيقيد قدرتها على الإنفاق التنموي ويضغط على الاحتياطي المالي. كما ستنعكس الزيادة في تكاليف النقل والتأمين على أسعار السلع الأساسية، خصوصًا الغذاء والوقود، في بلدٍ يعتمد على الاستيراد لتلبية جانبٍ كبيرٍ من احتياجاته.
تأثيرات تمتد إلى العملات والسياحة
لا تقتصر المخاطر على الموازنة فقط، بل تشمل أيضًا مصادر النقد الأجنبي. إذ يُحذَّر من احتمال تراجع تحويلات التونسيين في الخارج، بفعل التضخم الذي يلتهم الدخل في أوروبا ودول الخليج، إضافةً إلى مخاوف من ضعف عائدات السياحة إذا قلّ إنفاق الزوار. ويشير اقتصاديون إلى أنّ هذه التطورات قد تُدخل البلاد في دورة جديدة من الضغط المالي وفقدان الثقة بالسوق المحلية.
خيارات حكومية محدودة أمام الأزمة
في مواجهة هذه التداعيات، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة لاعتماد إجراءات تقشفية صعبة، مثل تأجيل الاستثمارات العامة، أو تجميد التوظيف في القطاع العام، أو تعديل أسعار المحروقات، أو حتى تأخير زيادات الأجور. أضِف إلى ذلك احتمال رفع البنك المركزي لسعر الفائدة مجددًا للسيطرة على التضخم، رغم ما قد يسببه القرار من تباطؤ في النشاط الاقتصادي.
ويرجّح اقتصاديون أنّ ارتفاع كلفة الاقتراض عالميًا سيزيد من عبء الدين الخارجي، ما يفاقم هشاشة الوضع المالي لتونس.
سيناريوهات خطيرة إذا طال الصراع
في حال استمر اضطراب إمدادات الطاقة حول العالم، يحذر الخبراء من احتمال قفز سعر البرميل إلى ما بين 150 و200 دولار، وهو ما من شأنه أن يُفقد الميزانية التونسية صلاحيتها بالكامل ويجبر الحكومة على إعداد قانون تمويل تكميلي جديد.
وستمتد هذه الصدمات إلى قطاعات أخرى مع ارتفاع أسعار السلع المُستوردة نتيجة زيادة الطلب العالمي والتخزين الاحترازي، لتتدهور أوضاع المعيشة في بلدٍ يعاني أصلًا من ضغوطٍ اقتصادية متراكمة.
بصيص أمل مرتبط بهدوء المنطقة
يرى الاقتصاديون أنّ الحل الأقل كلفة لتونس يكمن في تهدئة التوترات الإقليمية واستقرار سوق الطاقة. غير أنّ استمرار حالة عدم اليقين يجعل البلاد أمام اختبارٍ جديدٍ لقدرتها على الصمود في وجه أزمة خارجية جديدة، في وقتٍ تعاني فيه من ضعف المرونة المالية وتراجع هامش المناورة الاقتصادية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات الصراع، يبقى المواطن التونسي الحلقة الأضعف في مواجهة ارتفاع الأسعار وتقلّب الأسواق، وسط أملٍ جماعي بأن تنحسر نذر الحرب قبل أن تتولد عنها أزمة اقتصادية أعمق.
اقرأ المزيد
تقرير نيمبيو 2026: تونس تحتل المركز 268 عالمياً في مؤشر جودة الحياة.. قراءة في الأسباب












