وطن-في ربيع عام 1622، شهد العالم واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ البحري والتجاري، حين تمكن تحالف إنجليزي–فارسي من انتزاع مضيق هرمز من قبضة الإمبراطورية الإسبانية، في حدثٍ لم يكن مجرد معركةٍ عسكرية، بل تحوُّلًا استراتيجيًا أعاد رسم خريطة النفوذ بين الشرق والغرب.
في ذلك الزمن، كان فيليب الرابع يجلس على عرش إسبانيا، ولم يكن النفط قد اكتُشف بعد كمصدر الطاقة الذي سيقلب معادلات القوة في القرون التالية. ومع ذلك، كانت خسارة هرمز بالنسبة للإسبان ضربةً كبرى، تركت أثرًا عميقًا في مسار تراجعهم الإمبراطوري. وقد عبّر الكاتب الإسباني الشهير فرانسيسكو دي كيفيدو عن وقع الهزيمة في قصيدةٍ لاذعة حملت عنوان «في سوء حكم فيليب الرابع»، استهلّها بسطرٍ مثير يقول فيه: «الإنجليز والفرس يا مولاي انتزعوا هرمز».
منطق السيطرة على الممرات
منذ القرن السادس عشر، تحوّل مضيق هرمز إلى بوابةٍ استراتيجية للطرق التجارية مع آسيا. ومع توحّد العرشين الإسباني والبرتغالي تحت التاج الإيبيري عام 1580، أصبحت تلك المياه مصدرًا ضخمًا للعوائد، إذ فُرضت رسوم وضرائب على السفن العابرة، وكان هذا الممر بمثابة أغنى مركزٍ جمركي لملكٍ قيل إن الشمس لا تغيب عن أملاكه. ومن هنا وُلد المثل الشهير بين التجار والبحّارة آنذاك: «العالم خاتم، وهرمز جوهرته».
لكن التوازن الدبلوماسي الذي حافظت عليه القوى الأوروبية بدأ يتصدع عندما نجحت إنجلترا في إقامة علاقات وثيقة مع الشاه عباس الكبير في فارس، وأبرمت معه اتفاقياتٍ تجارية مغرية. سرعان ما أقنع الدبلوماسيون الإنجليز الشاه بأن تنفيذ تلك الاتفاقيات لن يتحقق ما دام المضيق تحت السيطرة الإسبانية–البرتغالية.
الحصار والعطش الذي حسم المعركة
قاد التحالف الجديد عملياته انطلاقًا من جزيرة قشم، أكبر جزر الخليج، والتي كانت تضم خزاناتٍ طبيعية من المياه العذبة كوّنتها طبقات الحجر الجيري عبر قرون. كانت تلك الآبار مصدر حياةٍ للسكان والبحّارة في المنطقة، بل وللأساطيل الإسبانية والبرتغالية نفسها. وحين فقدت هذه الأخيرة إمكانية الوصول إليها، بدأ الحصار الفعلي قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.
استمر الحصار عشرة أسابيع كاملة. نفدت المياه والمؤن والبارود، ومع اشتداد القيظ في أيار/مايو 1622، اضطر نحو خمسمئة جندي من الحامية الإسبانية–البرتغالية إلى الاستسلام. لم يكن السيف أو المدفع ما أسقط هرمز، بل الظمأ. وهكذا فقدت إسبانيا السيطرة على واحد من أهم مفاتيح التجارة الآسيوية.
الدبلوماسية التي فشلت والمدّ الإمبراطوري الذي انكسر
حين بلغ النبأ فيليب الرابع في قصره بمدينة أرانخويث، أدرك أن جهوده السابقة لتأمين تحالفٍ مع الدولة العثمانية لمواجهة الإنجليز والفرس قد باءت بالفشل. ومع ذلك، حاول الملك استعادة المضيق في حملاتٍ متكررة بين عامي 1623 و1627، لكنها انتهت جميعها بالحطام.
أثبتت تلك الهزيمة أن الإمبراطورية الإسبانية، التي كانت تمتد على قاراتٍ عدة، لم تعد قادرة على إدارة جبهاتها الواسعة في أوروبا والأمريكتين. بل إن فقدان هرمز عمّق الشكوك حول بقاء الاتحاد الإيبيري، إلى أن أعلنت البرتغال في عام 1640 «حرب الاستعادة» لاسترداد استقلالها.
أثر ممتد إلى الحاضر
منذ ذلك التاريخ، بدأ النفوذ الإسباني يتلاشى تدريجيًا، حتى صار انحساره أشبه بمنحنى انحدارٍ متواصل. وبعد مرور أربعة قرون على تلك الواقعة المفصلية، نجد أن إسبانيا المعاصرة، رغم تاريخها البحري الطويل، غابت عن اجتماعٍ ضم أكثر من أربعين دولة ناقشت سبل تأمين الملاحة في المضيق ذاته، الذي ما يزال اليوم محورًا حيويًا للتجارة والطاقة العالمية، كما كان في القرن السابع عشر.
عبرة التاريخ
تحمل قصة سقوط هرمز في طياتها درسًا يتجاوز التاريخ العسكري: أن السيطرة على الموارد، مهما كانت صغيرة، قد تحسم مصير إمبراطوريات، وأن المياه والطرق والممرات ليست مجرد تفاصيل جغرافية، بل شرايين حياةٍ تتحدد عليها ملامح القوة والتاريخ.
اقرأ المزيد
“أوروبا تتمرد”: ترامب وحيداً في مواجهة إيران.. هل انتهى عصر ‘التبعية العمياء’ لواشنطن؟












