وطن-تعيش العاصمة اللبنانية بيروت ومدن أخرى على وقع أوسع موجة قصف تشهدها البلاد منذ اندلاع الحرب الأخيرة، بعد أن كثّفت إسرائيل هذا الأسبوع هجماتها الجوية، ما أسفر عن مئات القتلى وعشرات الجرحى، وفق أرقام رسمية لبنانية. وتأتي هذه التطورات في لحظة حرجة تهدد بانفجار جبهة إقليمية جديدة قد تنسف الهدنة الهشة المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران.
هدنة غامضة وحدود ملتبسة
تقول طهران إن الضربات الإسرائيلية تمثل خرقًا مباشرًا لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن التفاهم شمل الأراضي اللبنانية، وهو الموقف نفسه الذي تتبناه باكستان بصفتها وسيطًا في المحادثات. بينما تصرّ إسرائيل والولايات المتحدة على أن لبنان لم يكن جزءًا من الاتفاق.
وعلى الرغم من أهميته، لم يُنشر أي نص رسمي يُثبت بنود الهدنة، إذ جاءت معظم تفاصيلها عبر بيانات وتصريحات متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وقد أعلن شريف أن الاتفاق ينص على “وقف فوري وشامل للنار، بما في ذلك في لبنان”، غير أن تل أبيب سارعت إلى نفي ذلك قطعًا.
وتزامن هذا السجال السياسي مع بدء استعداد وفدي واشنطن وطهران لعقد جولة تفاوضية جديدة في إسلام آباد، وسط تحذيرات من أن التصعيد الميداني في لبنان قد يبدد فرص التهدئة.
بيروت تحت النار
الأربعاء الماضي، عاشت العاصمة اللبنانية ساعات دامية بعدما استهدفت الغارات الإسرائيلية مناطق سكنية في بيروت وجنوب البلاد، ما خلّف أكثر من 303 قتلى، بحسب وزارة الصحة اللبنانية. وأعلنت إسرائيل حينها أنها قصفت أكثر من مئة موقع تابع لحزب الله، بينها مراكز قيادة ومواقع عسكرية.
وفي اليوم التالي، تواصلت الهجمات الإسرائيلية مستهدفة مناطق إضافية في الجنوب، بينما أكد شهود عيان أن الدخان غطّى الحدود بين البلدين وأن السكان فرّوا من منازلهم بحثًا عن مأوى آمن.
خلفيات التصعيد
يندرج القصف الإسرائيلي في سياق صراع مفتوح مع حزب الله المدعوم من إيران، والذي يخوض مواجهات مع إسرائيل منذ عقود انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. ويعود التصعيد الأخير إلى ما بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، حين أعلن حزب الله دعمه للفصائل الفلسطينية وبدأ بإطلاق النار على مواقع إسرائيلية.
وعلى الرغم من أن اتفاق هدنة أُقرّ لاحقًا في نوفمبر 2024 نصّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، فإن الجيش الإسرائيلي واصل تمركزه وشنّ غارات متكرّرة متذرّعًا بانتهاكات من جانب حزب الله. ثم بلغ التوتر ذروته عندما قُتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارة إسرائيلية نهاية فبراير، ما دفع حزب الله إلى تصعيد هجماته بصورة غير مسبوقة.
وردًا على ذلك، كثّفت إسرائيل عملياتها العسكرية بحجة إقامة “منطقة عازلة” في جنوب لبنان. ووفق وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد القتلى منذ اندلاع الجولة الأخيرة 1,880 شخصًا، فيما تجاوز عدد المهجّرين المليون.
نيات إسرائيل وخطر التوسع
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن بلاده لن تسمح بعودة مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم “إلا بعد ضمان أمن سكان شمال إسرائيل”، ملوّحًا بأن عمليات التدمير ستتواصل “على نموذج رفح وخان يونس في غزة”. كما ذهب وزير المالية المتشدد بتسلئيل سموتريتش إلى حد المطالبة بضمّ الجنوب اللبناني وجعل نهر الليطاني “الحدّ الجديد للدولة العبرية”.
خطط كهذه دفعت خبراء حقوق الإنسان إلى التحذير من أن سياسات الإجلاء الواسعة وإنشاء مناطق أمنية جديدة قد ترقى إلى “جرائم حرب محتملة”.
مفترق طرق ديبلوماسي
في المقابل، تصرّ طهران على أن استمرار الضربات يُقوّض جدية الهدنة، محذّرة من ردٍّ “يجعل الطرف الآخر يندم”، وفق بيان للحرس الثوري الإيراني. وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن على الولايات المتحدة أن تختار بين “الهدنة أو الحرب عبر إسرائيل”، معتبرًا أن مصداقية واشنطن على المحك.
لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كرر الخميس أنه “لا وقف لإطلاق النار في لبنان”، في وقت دعا فيه إلى محادثات مباشرة، وهو ما نفته بيروت، مؤكدة أنها لم تتلقّ أي دعوة رسمية للحوار، وأنه “لا مجال لأي تفاوض تحت القصف”.
احتمالات قاتمة
يرى باحثون أن استمرار الهجمات قد يفتح الطريق أمام مواجهة أوسع تشمل إيران وحلفاءها كجماعة الحوثي في اليمن، ما قد ينسف محاولات خفض التصعيد الإقليمي. ويؤكد محللون إسرائيليون أن الوضع الراهن يعقّد أي إمكانية لتمديد الهدنة إلى الجبهة اللبنانية، وأن ضبط الميدان بات يحتاج إلى تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلزام إسرائيل بخطوط الهدنة التي وقّعتها واشنطن وطهران.
وبينما تتكثف الجهود الدبلوماسية لإبقاء خيوط التهدئة قائمة، تبقى العيون شاخصة إلى لبنان، حيث يدفع المدنيون مجددًا الثمن الأكبر لصراع تتقاطع فيه الحسابات الإقليمية والسياسية والعسكرية. وفي ظل الغموض الذي يلف مستقبل الهدنة، يبدو أن مصير الأرواح اللبنانية أصبح رهينة القرار الذي سيتخذه الكبار، بين وقف شامل للنار أو انزلاق نحو مواجهة لا حدود لامتدادها.
اقرأ المزيد
من الركام إلى الصواريخ: كيف أعاد “حزب الله” بناء قوته بينما كان أعداؤه يحتفلون بنهايته؟
بين مطرقة الحرب وسندان الداخل.. حزب الله يواجه أصعب اختبار لوجوده منذ الثمانينات












