وطن-في خطوة توصف بالتاريخية في مسار العلاقات الدينية بين إفريقيا وأوروبا، يستعد البابا ليو الرابع عشر لزيارة الجزائر بين 13 و15 أبريل المقبل، فاتحًا جولته الإفريقية من بلدٍ يشكّل مهد أحد أبرز مفكري الكنيسة عبر العصور، القديس أوغسطين. وتشمل الزيارة محطتين أساسيتين في كلٍّ من الجزائر العاصمة وعنّابة، المدينة التي حملت يومًا اسم «هيبّو»، حيث عاش أوغسطين وخلّد فكره.
ذاكرة فلسفية وجذور إفريقية
يرى كثيرون أن اختيار الجزائر كمحطة أولى في جولة البابا الإفريقية ليس صدفة، بل هو وفاء فكري ورمزي لمعلّمه الروحي. فقد كان البابا ليو الرابع عشر — المعروف قبل انتخابه باسم روبرت فرنسيس بريفوست — من أتباع الرهبنة الأوغسطينية منذ صباه، ودرس الفلسفة والرياضيات في فيلادلفيا قبل أن ينضم رسميًا إلى الرهبنة في الثانية والعشرين من عمره.
هذا الارتباط الفكري قاده عام 2001 إلى أول زيارة له إلى الجزائر للمشاركة في ندوة دولية حول فكر القديس أوغسطين بجامعة عنّابة. واليوم، يعود البابا إلى الأرض التي انطلقت منها مسيرة القديس الأفريقي، في زيارة تحمل بعدًا يتجاوز الإطار الديني إلى استعادة الذاكرة الثقافية والتاريخية للمنطقة.
اهتمام رسمي واستعدادات واسعة
تولي السلطات الجزائرية أهمية خاصة لهذه الزيارة الأولى من نوعها لبابا الفاتيكان إلى البلاد، إذ يشرف الرئيس عبد المجيد تبون شخصيًا على التحضيرات الجارية. وتشهد عنّابة تحديدًا ورشة عمل كبيرة لتأهيل الطرق المؤدية إلى كاتدرائية القديس أوغسطين، فيما خُصصت فعاليات متعددة أبرزها الكلمة التي سيلقيها البابا عند «نصب الشهداء» في العاصمة، تخليدًا لمن قضوا خلال حرب التحرير.
ويؤكد المؤرخ عبد الناصر إسماعيل، مؤلف كتاب القديس أوغسطين: شمال إفريقي عالمي، أن هذه الزيارة ليست دينيةً فحسب، بل هي أيضًا فعل استعادة لذاكرة طال إغفال بعدها الإفريقي. وقال: «أوغسطين شخصية جذرها إفريقي، وُلد هنا ومثّل بُعدًا إنسانيًا تجاوز الأديان والقارات. الاعتراف بذلك ليس تبنّيًا لعقيدة أخرى، بل احتفاءٌ بتاريخٍ أنتجه هذا التراب».
كنيسة صغيرة… وجذور جزائرية
زيارة البابا تشكّل أيضًا رسالة تضامن مع الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، التي تُعد من أصغر الكنائس في العالم. فعدد أتباعها لا يتجاوز 4200 شخص من إجمالي 46 مليون نسمة، ينتمون غالبًا إلى إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية وأوروبا. وفي البلاد نحو 60 كاهنًا و100 راهب وراهبة موزعين على أربع أبرشيات في الجزائر، وهران، قسنطينة، والأغواط.
ويقول الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر منذ نحو عقدين، إن الكنيسة الجزائرية وإن كانت محدودة العدد، إلا أنها “كنيسة هذا الشعب”. ويضيف أن مسارها منذ الاستقلال أعاد رسم هويتها الوطنية، بفضل جهود الكاردينال ليون إتيان دوفال، الذي وقف في خمسينيات القرن الماضي ضد انتهاكات الاحتلال الفرنسي ودعا الكهنة للبقاء بعد الاستقلال في خدمة المجتمع الجزائري.
لقد تحولت الكنيسة تدريجيًا من مؤسسة استعمارية إلى فضاء وطني يساهم في التعليم والرعاية الاجتماعية، ويُرسّخ قيم التعايش. ويرى الكاردينال فيسكو أن هذا الإرث هو ما أبقى المؤسسات التعليمية والصحية الكاثوليكية مفتوحة بعد الاستقلال، مشددًا على أن الكنيسة «تخدم المجتمع الجزائري وليس جماعة دينية بعينها».
ذاكرة الشهداء والتقارب الإنساني
من أبرز محطات زيارة البابا المرتقبة صلاته في المصلّى المخصّص لـ19 راهبًا وكاهنًا قتلوا خلال “العشرية السوداء” بين عامي 1992 و2002، وهي فترة دامية راح ضحيتها نحو 200 ألف شخص. وقد أعلنت الكنيسة هؤلاء «شهداء الجزائر» وجرى تطويبهم في وهران عام 2018، في أول احتفال من نوعه في بلدٍ مسلم.
وبحسب المراقبين، فإن البابا يحرص على ترسيخ هذا المسار المتوازن بين الذاكرة الدينية والوطنية، تأكيدًا على إمكان التلاقي الإنساني فوق الاختلافات العقائدية.
حياة يومية هادئة ومخاوف صامتة
ورغم صِغر حجمها، تعيش الجالية المسيحية في الجزائر في أجواء سلمية يحكمها الاحترام المتبادل. يقول سيمون، طالب من ساحل العاج يقيم في العاصمة منذ ثلاث سنوات: «أمارس إيماني بهدوء كما تقتضيه طبيعة المجتمع المسلم من حولي، ولم أتعرض لأي تضايق قط». ويضيف أن أبناء الجالية ينظمون أنشطة خيرية وتطوعية بالتعاون مع سكان الأحياء المحلية.
لكن هذا الانسجام لا يخلو من تحديات. فبعض الطوائف البروتستانتية تواجه قيودًا منذ صدور المرسوم المنظم لممارسة الديانات غير الإسلامية عام 2006، والذي يشترط ترخيصًا رسميًا لأي نشاط ديني أو استخدام للمباني. وقد أُغلقت كنائس بروتستانتية عدة بدعوى مخالفة القوانين، بينما يُسمح للكنيسة الكاثوليكية بممارسة شعائرها علنًا ضمن حدود واضحة.
دعوات لمناقشة قضايا الحقوق والحريات
قبل أيام من الزيارة، ناشدت ثلاث منظمات دولية — هي “هيومن رايتس ووتش”، و”يوروميد رايتس”، و”منّا رايتس غروب” — البابا بأن يثير خلال لقاءاته في الجزائر قضايا حرية المعتقد وحقوق الإنسان. ودعت المنظمات إلى إنهاء القيود المفروضة على الأقليات الدينية وإطلاق سراح المعتقلين بسبب آرائهم أو أنشطتهم السلمية.
وجاء في بيانها أن “مئات النشطاء والصحفيين والدفاعيين عن حقوق الإنسان يُحتجزون أو يُحاكمون لممارستهم حقهم في التعبير والتجمع السلمي”، مطالبةً بأن تسهم زيارة البابا في تسليط الضوء على هذه الانتهاكات.
عبور نحو ذاكرة مشتركة
تحمل زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر أبعادًا رمزية تتجاوز الطقوس واللقاءات الرسمية. فهي عودةٌ إلى أرضٍ أنجبت أحد أبرز رموز الفكر الديني والفلسفي في التاريخ، واستعادة لذاكرة مشتركة بين ضفّتي المتوسّط. وفي بلد يشهد تنوّعًا ثقافيًا وروحيًا عريقًا، يذكّر هذا الحدث بأن الاعتراف بالتعددية ليس تهديدًا للهوية، بل تعزيز لقدرتها على التجدّد عبر الزمن.
اقرأ المزيد
نقطة التحول في تاريخ الجزائر: كيف غيرت استقالة اليمين زروال مسار الدولة؟












