وطن-على مدى سنوات حكمه، أشرف أوربان على بناء منظومة متكاملة من مراكز الأبحاث والمنصات الإعلامية والمبادرات الفكرية ذات التوجه المحافظ، هدفت إلى دعم الأحزاب اليمينية وتعزيز ما يُعرف بـ”القوة الناعمة” للمجر.
هذا النفوذ لم يقتصر على الداخل المجري، بل امتد إلى المملكة المتحدة، حيث حظيت هذه الشبكة بدعم شخصيات بارزة داخل حزب الإصلاح البريطاني، أحد أبرز الأحزاب اليمينية الصاعدة. ومن بين الأسماء المرتبطة بهذه الدوائر، الأكاديمي مات غودوين، الذي كان من المقرر أن يشارك في فعاليات أكاديمية داخل مؤسسات مرتبطة ببودابست.
لكن التحوّل الكبير جاء مع الانتخابات الأخيرة، حيث نجح منافسه بيتر ماغيار في تحقيق فوز حاسم بأكثر من 53% من الأصوات، ما أنهى حقبة أوربان الطويلة، وفتح الباب أمام إعادة رسم المشهد السياسي.
مراكز فكرية بتمويل حكومي
من أبرز أدوات هذه الشبكة، “معهد الدانوب” في بودابست، الذي تحوّل إلى منصة تجمع مفكرين محافظين من أوروبا والولايات المتحدة. ويقوده الكاتب البريطاني جون أو سوليفان، المعروف بقربه من دوائر سياسية محافظة تاريخية.
المعهد اعتمد على تمويل حكومي عبر مؤسسات مدعومة من الدولة، واستقطب باحثين يكتبون في منصات إعلامية محافظة مؤثرة. وقد لعب دور “الجسر الفكري” بين التيارات اليمينية في أوروبا، مسوّقًا لما يُعرف بـ”النموذج المجري”، الذي يجمع بين الشعبوية والسياسات الاجتماعية المحافظة.
تغييرات مرتقبة في التمويل
الحزب الفائز في الانتخابات، “تيسا”، أعلن عزمه إنهاء استخدام الأموال العامة في دعم المشاريع السياسية أو الحزبية، مؤكدًا ضرورة الفصل بين التعليم والعمل الدعائي.
كما تعهّد بمراجعة الأصول التي حصلت عليها مؤسسات مرتبطة بأوربان، وعلى رأسها “كلية ماتياس كورفينوس”، التي مُنحت حصصًا كبيرة في شركات استراتيجية، من بينها شركة الطاقة الوطنية.
هذه الخطوات قد تعني تقليصًا كبيرًا لنفوذ الشبكة التي بناها أوربان، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على التمويل الحكومي.
امتدادات في بريطانيا
العلاقات بين هذه المؤسسات والمشهد السياسي البريطاني كانت وثيقة، حيث حصلت بعض المؤسسات الفكرية في لندن على تمويل كبير من جهات مجرية، كما ضمّت مجالس إدارتها شخصيات سياسية وأكاديمية مؤثرة.
ومن بين الأسماء البارزة مايكل غوف، إلى جانب جيمس أور، المرتبط بدوائر حزب الإصلاح، الذي يقوده نايجل فاراج، أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي في أوروبا.
حضور دولي وتأثير سياسي
لم تقتصر شبكة أوربان على أوروبا، بل امتدت إلى مشهد أوسع، حيث شاركت شخصيات دولية بارزة في فعاليات سياسية نظمتها مؤسسات مرتبطة به.
من بين هؤلاء خافيير ميليي، إضافة إلى دعم معنوي من شخصيات مثل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، ما يعكس طبيعة التحالفات العابرة للحدود التي نجح أوربان في بنائها.
نهاية مرحلة… وبداية إعادة التموضع
مع خروج أوربان من السلطة، تجد هذه الشبكة نفسها أمام تحدٍ كبير: كيف تستمر دون دعم الدولة؟
الاحتمالات تشير إلى إعادة تموضع، وربما البحث عن مصادر تمويل جديدة، أو نقل مركز الثقل إلى دول أخرى.
لكن المؤكد أن سقوط أوربان لا يعني فقط نهاية زعيم سياسي، بل قد يكون بداية تفكك واحدة من أبرز الشبكات اليمينية العابرة للحدود في السنوات الأخيرة.
اقرأ المزيد
هزيمة فيكتور أوربان بعد 16 عامًا في السلطة يفكك أممية اليمين ويترك ترامب وحيداً
سقوط فيكتور أوربان: هل فقد نتنياهو “درعه السياسي” الأخير في أوروبا؟
عصر ما بعد أوربان: بيتر ماغيار ينهي “دولة المافيا” في المجر ويهز عرش اليمين العالمي












