وطن-في مشهد يعيد للأذهان أقسى صور التهجير والانتهاك الإنساني، خاضت مجموعة من النساء الفلسطينيات تجربة مريرة داخل مخيم جنين المنكوب بشمال الضفة الغربية. الرحلة التي كان يُفترض أن تكون لتفقد “المنازل”، تحولت إلى رحلة لإحصاء الرماد، وسط إجراءات عسكرية إسرائيلية وصفتها الناجيات بأنها تهدف إلى “سحق الكرامة” قبل معاينة الحطام.
سياسة “الترقيم” وإجراءات الإذلال
شهد يوم 13 أبريل 2026 فصلاً جديداً من فصول المعاناة؛ حيث عمدت قوات الاحتلال إلى كتابة أرقام على أيدي النساء الفلسطينيات قبل السماح لهن بالدخول المؤقت إلى أحيائهن. هذه الخطوة، التي ترافقت مع انتظار طويل لساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، لم تكن سوى البداية لمسلسل من التفتيش الدقيق والمراقبة العسكرية اللصيقة التي قيدت حركة نحو 120 امرأة سُمح لهن بالدخول لفترة لم تتجاوز الساعتين.
وتأتي هذه الزيارة في وقت يعيش فيه نحو 40 ألف فلسطيني حالة تهجير قسري من جنين ومخيمات الشمال منذ مطلع عام 2025، إثر عمليات عسكرية حولت أحياءً كاملة إلى ركام وأخرجتها من خارطة السكن الآدمي.
شهادات من قلب الركام: “تمنيت لو لم أرَ منزلي”
بحرقة وألم، تروي “أم فادي وهدان” تفاصيل تلك الساعات، موضحة أن الجنود قاموا بترقيم أيديهن بناءً على الأحياء السكنية التي ينتمين إليها. وتقول: “انتظرنا أكثر من ثلاث ساعات، وكانوا يتعمدون تبديل علامات الأحياء لإرباكنا”. وعند وصولها إلى حيث كان منزلها في “حي وهدان”، لم تجد سوى الرماد؛ فالطوابق التي كانت تضم ذكريات عائلتها احترقت بالكامل. تضيف بمرارة: “تمنيت لو لم أذهب.. منزلنا الذي فقدتُ فيه ابناً في قصف سابق صار أثراً بعد عين”.
ثكنات فوق الأنقاض ومياه عادمة في الشوارع
النساء اللاتي تمكنّ من الدخول وصفن واقعاً “يفوق القدرة على الاحتمال”؛ حيث اختلطت مياه الصرف الصحي بشوارع المخيم المدمرة، وتحولت المنازل التي نجت من القصف الجزئي إلى ثكنات عسكرية ومواقع تمركز لجنود الاحتلال.
وفي شهادة أخرى، كشفت “عبير الصباغ” (60 عاماً) عن تعرض النساء لإجراءات تفتيش جسدي مهينة داخل أحد المنازل التي صادرها الجيش وحولها إلى نقطة تفتيش. وتصف الصباغ، التي فقدت ثلاثة من أفراد عائلتها في قصف سابق، التجربة بأنها “غير إنسانية”، مؤكدة أن الاحتلال يتعمد إذلال الشابات والمسنات على حد سواء، ليخلص التقرير الميداني إلى حقيقة قاسية: “لم يعد هناك منزل واحد صالح للعيش في جنين”.
جنين.. جرح نازف بانتظار العودة
تعد هذه الزيارة هي الثانية من نوعها التي تسمح بها قوات الاحتلال بضوابط مشددة، لكنها لم تزد النساء إلا قناعة بأن العودة القريبة إلى حياة طبيعية باتت “ضرباً من الخيال” في ظل الوجود العسكري المكثف والدمار الشامل الذي طال البنية التحتية والممتلكات الخاصة.
اقرأ المزيد
بالأرقام.. أكبر عملية تهجير قسري للفلسطينيين في الضفة الغربية منذ عقود
السماء تمطر شظايا: مخاطر “الدفاعات الإسرائيلية” تتربص بسكان الضفة الغربية
حرب التعطيش في الضفة الغربية: إسرائيل تسيطر على 84% من المياه الفلسطينية












