وطن-في أحد شوارع وسط طهران المزدحمة، جلس بائع متجول على ركبتيه إلى جانب ملابس وأدوات منزلية صغيرة افترش بها الرصيف، يحاول ترتيبها تحت أضواء السيارات وضجيج الأبواق. لم يكن يتحدث إلى أحد بعينه، لكنه تمتم بعبارة تختصر كثيراً من القلق الذي يعيشه الإيرانيون اليوم: «انظروا.. هذه حياتنا الآن».
على بعد أمتار قليلة، وفي الشارع نفسه، كان مشهد آخر يتشكل. حشود تتجمع تدريجياً، مكبرات صوت تصدح بالأناشيد والهتافات، أعلام مرفوعة، وشعارات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، تتداخل مع أغانٍ وطنية تبث في المكان إحساساً بالقوة والتحدي.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي” في تقرير من العاصمة الإيرانية، فإن المشهدين المتجاورين يقدمان صورتين متناقضتين لطهران بعد أشهر من التصعيد المتسارع؛ مدينة تبدو في ظاهرها مستمرة في الحركة، لكنها من الداخل تعيش ضغوطاً اقتصادية ونفسية وسياسية غير مسبوقة.
إيران بعد حرب الـ12 يوماً
قالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن إيران شهدت في يونيو الماضي حرباً استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، قبل أن تدخل الولايات المتحدة على خط المواجهة لاحقاً، في ما وصف بأنه أوسع صدام مباشر منذ عقود. ولم تكن تلك الحرب سوى بداية مرحلة أكثر اضطراباً في الداخل الإيراني.
فبعدها، اندلعت احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد، واجهتها السلطات بحملة قمع عنيفة، ترافقت مع إغلاق شبه كامل للإنترنت استمر قرابة شهر في يناير. وبعد أشهر قليلة، وجد الإيرانيون أنفسهم أمام دورة جديدة من التصعيد استمرت نحو 40 يوماً، ما جعل الشعور بعدم الاستقرار جزءاً من الحياة اليومية.
وتوضح الصحيفة أن مخاوف الإيرانيين، طوال سنوات، كانت تدور أساساً حول التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتشديد القيود الاجتماعية والسياسية. لكن التطورات الأخيرة نقلت القلق إلى مستوى مختلف، إذ بات احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة أو اضطرابات طويلة أمراً حاضراً في أذهان الناس.
تقول نفيسة، وهي معلمة لغة، لـ«ميدل إيست آي»: «قبل كل هذا، قبل الحرب والدمار ورؤية المدنيين عالقين وسط الأحداث، كنا نعتقد أننا سنواصل فقط مواجهة الضغط الاقتصادي وارتفاع الأسعار والقيود المتزايدة. كانت الحياة صعبة بالفعل، لكننا لم نتخيل أن تصل إلى هذه النقطة، أو أن تصبح أسوأ لا قدر الله».
اقتصاد مرهق وأسعار تلاحق الناس
مع دخول هدنة هشة أو توقف مؤقت لإطلاق النار حيز التنفيذ في أبريل، لم تختف آثار الحرب من حياة الإيرانيين. فقد تركت الضربات التي استهدفت منشآت صناعية وبتروكيماوية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار، انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الإيراني المتعب أصلاً.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، يتحدث سكان طهران عن تأثيرات ملموسة لا تحتاج إلى تحليلات معقدة: ارتفاع أسعار السلع الأساسية، زيادة تكلفة الغذاء والدواء، وتراجع القدرة الشرائية بصورة تجعل التخطيط للحياة اليومية أكثر صعوبة.
ولم تقف الأزمة عند الأسعار. فقد ارتفعت معدلات فقدان الوظائف بشكل واضح، سواء بسبب الأضرار التي لحقت ببعض المواقع الصناعية، أو نتيجة الاضطرابات الأوسع المرتبطة بفترة النزاع. كما تضررت شركات وأعمال صغيرة كانت تعتمد على الإنترنت والتواصل عبر المنصات العالمية.
وتشير الصحيفة إلى أن القيود الطويلة على الإنترنت، التي وصفتها بأنها من أطول حالات الانقطاع عالمياً، دفعت قطاعات من العمالة إلى الخروج من دائرة الاستقرار الوظيفي. فالكثير من الأعمال التي كانت تعتمد على «إنستغرام» أو تطبيقات التواصل لم تعد قادرة على الوصول إلى زبائنها كما كان الحال سابقاً.
يروي صاحب مشروع صغير في قطاع التصنيع، كان يعتمد في تسويق منتجاته على «إنستغرام»، أن الأشهر الماضية كانت ثقيلة للغاية. ويقول: «بدأ الأمر بالاحتجاجات، ثم جاءت الحرب. بعد ذلك تباطأ كل شيء. تمر بعض الأيام ببطء شديد، كأنها لا تنتهي أبداً».
قلق لا يقتصر على لقمة العيش
الحرب الأخيرة، كما تقول “ميدل إيست آي”، زادت الضغط على اقتصاد كان يتراجع قبلها، وجعلت الدخول أكثر هشاشة، فيما أصبح التخطيط للمستقبل مهمة محفوفة بعدم اليقين.
لكن القلق في إيران اليوم لا يقتصر على المال والعمل والأسعار. فالأزمة باتت تؤثر في طريقة تفكير الناس، وفي نظرتهم لما قد يحدث لاحقاً. سائق يعمل عبر تطبيقات النقل قال للصحيفة إن ابنته البالغة من العمر 10 سنوات أصبحت تتابع الأخبار الدولية بحثاً عن مؤشرات على احتمال اندلاع مواجهة جديدة.
وأضاف، بنبرة تجمع بين الغضب والذهول: «الطفل يجب أن يفكر في الألعاب، لا في الحرب».
هذه العبارة تختصر جانباً من التحول النفسي الذي يعيشه المجتمع الإيراني. فالأحداث لم تعد أخباراً سياسية بعيدة، بل دخلت إلى البيوت والمدارس وأحاديث الأطفال، وأصبحت جزءاً من وعي جيل صغير لم يكن يفترض أن ينشغل بأسئلة الحرب والتصعيد.
حرب روايات في الشارع الإيراني
في الجهة المقابلة من المشهد، تتكرر التجمعات العامة في شوارع طهران منذ بداية موجة التصعيد خلال الشهرين الماضيين. في أحد هذه التجمعات، وقفت امرأة تحمل صورة القيادة الإيرانية الجديدة، ودعت في مقابلة أمام الكاميرا إلى تحمل المشقة دفاعاً عن استقلال البلاد.
وبحسب “ميدل إيست آي”، تقدم هذه التجمعات اللحظة الراهنة ليس بوصفها أزمة، بل اختباراً لصمود «المؤمنين الحقيقيين». وتظهر في هذه الفعاليات رسائل تركز على الوحدة والمقاومة والتحدي، مع حضور واضح للشعارات الوطنية والدينية.
وتفهم هذه التجمعات على نطاق واسع، وفق ما أوردته الصحيفة، باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع من المؤسسة الحاكمة للحفاظ على حضور مرئي في الفضاء العام، وإظهار التماسك والسيطرة أمام الداخل والخارج.
وغالباً ما تنظم هذه الفعاليات أو تُدعم عبر مؤسسات وشبكات مرتبطة بالدولة، وترافقها الموسيقى والخطب وتوزيع الطعام، في مزيج يجمع بين التنظيم اللوجستي والرسائل الثقافية والدينية.
لكن معنى هذه التجمعات يختلف باختلاف من ينظر إليها. فبالنسبة للمؤيدين، تمثل وحدة وطنية ومقاومة في وجه الضغوط. ويرى هؤلاء أن الوضع الراهن مؤقت، ويمكن التعامل معه، بل قد يكون مبرراً ضمن سياق وطني أو ديني أكبر.
يقول أحد المشاركين لـ”ميدل إيست آي”: «لن نستسلم لضغوط الولايات المتحدة أو لأشخاص مثل دونالد ترامب. الأمر بالنسبة لنا ليس مجرد سياسة، بل دفاع عن بلدنا وما نؤمن به. وجودنا هنا هو طريقتنا في إظهار الدعم لمن هم في الخطوط الأمامية. نحن نقف مع النظام».
أما بالنسبة إلى سكان آخرين، فهذه التجمعات تبدو عروضاً منظمة للصمود في وقت تتزايد فيه صعوبة تلبية الاحتياجات اليومية. ومن هنا، لا ينحصر الخلاف في مستوى الدخل أو حجم المعاناة، بل يمتد إلى طريقة فهم الواقع نفسه: هل ما يحدث تضحية ضرورية، أم أزمة تُدار بالشعارات؟
إنترنت مقيد وواقع معلوماتي منقسم
في موازاة الانقسام في الشارع، أصبح الوصول إلى المعلومات في إيران غير متكافئ. فمعظم السكان يواجهون قيوداً شديدة على الاتصال، ولا يجدون أمامهم سوى منصات محلية خاضعة لرقابة صارمة، أو يلجأون حديثاً إلى حزم VPN بأسعار باهظة.
وتقول “ميدل إيست آي” إن مجموعة أصغر، غالباً ممن يملكون وصولاً مصرحاً به أو امتيازات خاصة، تحتفظ باتصال أكثر استقراراً بالإنترنت، ما يسمح لها بالبقاء نشطة في المساحات الرقمية التي تناقش الأحداث لحظة بلحظة.
هذا التفاوت خلق بيئات معلوماتية مختلفة داخل المدينة الواحدة. فهناك من يتابع التطورات عبر مصادر خارجية ونقاشات مفتوحة نسبياً، وهناك من يجد نفسه محصوراً داخل منصات محلية محدودة، بينما تعتمد فئة ثالثة على الشائعات والمقاطع المتداولة عبر قنوات بديلة.
وفي ظل هذا الواقع، تستمر الحياة اليومية في طهران، لكنها تستمر تحت ضغط دائم. فحركة المرور لم تتوقف، والمطاعم لا تزال تعمل، والحياة الاجتماعية لم تختفِ بالكامل. في الأسواق والمراكز التجارية، لا يزال الناس يتجولون، لكن بأعداد أقل وبحذر أكبر.
يقول صاحب متجر في مركز تجاري شمال طهران، بحسب الصحيفة: «الناس يدخلون، ينظرون، لكنهم لا يشترون كما كانوا يفعلون من قبل».
غضب مكبوت يظهر على المنصات
في بعض الأحيان، يوجه عابرون انتقادات مباشرة للمشاركين في التجمعات العامة، متسائلين عن الفجوة بين مشاهد الدعم والهتافات من جهة، والضغوط الاقتصادية التي يشعر بها الناس في أماكن أخرى من جهة ثانية.
لكن التعبير العلني عن الغضب يظل نادراً، كما تشير «ميدل إيست آي»، بسبب أجواء الحذر والحضور الأمني. في المقابل، يظهر هذا الغضب بشكل أوضح عبر الإنترنت، حتى على المنصات المسموح بها رسمياً، والتي اضطر كثيرون لاستخدامها بعد تقييد الوصول إلى تطبيقات المراسلة العالمية.
كتب أحد المستخدمين: «السياسة تحتاج إلى تفكير، لا إلى شعارات في الشوارع. ما فائدة الوقوف والصراخ؟ إذا استمرت الأمور بهذا الشكل ورفض هؤلاء رؤية الواقع، فإن حياتنا نحن هي التي ستضيق أكثر».
وتعكس مثل هذه التعليقات، وفق ما تكشفه الصحيفة، أكثر من مجرد اختلاف في الرأي. إنها تعبر عن طرق متباينة تماماً في تفسير الظروف نفسها، بين من يراها اختباراً للصمود، ومن يراها دليلاً على انسداد سياسي واقتصادي يضغط على تفاصيل الحياة.
الصمود كعادة يومية
ومع تزايد الحديث عن احتمال تصعيد جديد، يحاول بعض الإيرانيين مقاومة القلق المتصاعد بالاستمرار في أعمالهم وحياتهم اليومية قدر الإمكان.
يقول حميد، وهو رائد أعمال، لـ«ميدل إيست آي»: «أعرف أن الأمر صعب، لكن القلق لن يغير شيئاً. علينا فقط أن نواصل حياتنا».
بالنسبة لكثيرين في طهران، لم يعد هذا النوع من التكيف خياراً مؤقتاً، بل أصبح جزءاً من الروتين. لا يعني ذلك أن التوترات اختفت، ولا أن الأزمات وجدت طريقها إلى الحل، لكنه يسمح للحياة بأن تستمر ولو بحدها الأدنى.
من بعيد، تبدو طهران مدينة تواصل حركتها المعتادة. الشوارع مزدحمة، المحال مفتوحة، والأصوات لا تنقطع. لكن من الداخل، كما ترصد «ميدل إيست آي»، تتكون المدينة من تجارب متوازية: بائع يفترش الرصيف ويشكو ضيق الحال، وحشد يرفع الأعلام ويهتف للمقاومة في المكان نفسه.
في إيران بعد الحرب، لا تبدو الحياة تجربة واحدة مشتركة، بل واقعاً منقسماً داخل المساحة ذاتها؛ بين استعراض القوة، وضغط المعيشة، وقلق المستقبل.
اقرأ المزيد

