وطن-في زمن تتشابك فيه التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد والصراعات الدولية، لم يعد إيلون ماسك مجرد ملياردير يقود شركات عملاقة، بل تحوّل إلى رمز لمرحلة كاملة من “الرأسمالية الرقمية” الحديثة، على نحو يشبه المكانة التي احتلها الصناعي الأمريكي هنري فورد خلال صعود الثورة الصناعية وصناعة السيارات في القرن العشرين.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ذا ناشيونال” في حلقة من برنامج “الواجهة” مع الإعلامي فيصل اليافعي، يرى المؤرخ كوين سلوبوديان أن ماسك يمثل نموذجاً معاصراً لفورد، لكن ضمن سياق مختلف تماماً تحكمه التكنولوجيا الرقمية، والفضاء، والذكاء الاصطناعي، والنفوذ السياسي المتنامي لشركات التكنولوجيا العملاقة.
وأوضح سلوبوديان، وهو مؤلف كتاب “الماسكية: دليل الحائرين” بالاشتراك مع الصحفي المتخصص في التكنولوجيا بن تارنووف، أن شخصيات مثل إيلون ماسك تساعد على فهم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، تماماً كما استخدمت شخصية هنري فورد سابقاً لفهم عصر الإنتاج الصناعي الضخم والسيارات الشعبية.
وأشار إلى أن المقارنة بين الرجلين لا تعني تطابقاً في الأفكار أو السلوك، بل تكشف كيف يصبح بعض رجال الأعمال تجسيداً لمرحلة اقتصادية وسياسية كاملة. فهنري فورد ارتبط بالتصنيع الواسع وخطوط الإنتاج الحديثة، بينما يرتبط إيلون ماسك اليوم بالصواريخ الفضائية، والسيارات الكهربائية، والإنترنت الفضائي، ومنصات التكنولوجيا العملاقة.
لكن المؤرخ شدد على وجود اختلاف جوهري بين الرجلين في طبيعة التأثير الاجتماعي والسياسي. فبينما ظهر فورد، في مراحل معينة، كجزء من تسوية اقتصادية بين الدولة والصناعة والعمال، يرى سلوبوديان أن ماسك يمثل نموذجاً أكثر تصادمية، يدفع نحو أجواء من الاستقطاب والانقسام السياسي والاجتماعي.
وقالت “ذا ناشيونال” إن اهتمام المؤلفين بظاهرة ماسك لا يرتبط فقط بشخصيته المثيرة للجدل، بل بما تعكسه تجربته من تحولات أوسع داخل عالم التكنولوجيا والرأسمالية الحديثة، خصوصاً في منطقة وادي السيليكون الأمريكية، حيث باتت الشركات العملاقة تملك نفوذاً سياسياً واقتصادياً يوازي نفوذ الدول أحياناً.
ويرى سلوبوديان أن الصورة التقليدية التي تقدم وادي السيليكون باعتباره فضاءً “تحررياً” أو قائماً على فكرة تقليص دور الدولة، لم تعد دقيقة. فبحسب رأيه، كان ماسك دائماً شديد الارتباط بالدعم الحكومي والعقود الرسمية، سواء في قطاع الفضاء أو الطاقة أو الاتصالات.
وأضاف أن مواقف ماسك السياسية لم تعد منفصلة عن مشاريعه الاقتصادية، بل أصبحت جزءاً من صورته الكاملة. فشركاته، مثل “سبيس إكس” و”تسلا” و”ستارلينك”، لم تعد مجرد مشاريع تجارية، بل تحولت إلى أدوات ذات تأثير جيوسياسي واستراتيجي واسع.
وقال سلوبوديان إن “صواريخ الفضاء لا يمكن فصلها اليوم عن النزعات السياسية الحادة التي يتبناها ماسك”، في إشارة إلى تنامي مواقفه اليمينية المثيرة للجدل خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أثار قلقاً متزايداً في أوروبا والولايات المتحدة بشأن حجم النفوذ الذي بات يمتلكه رجل أعمال واحد في مجالات حيوية.
وفي هذا السياق، أشار فيصل اليافعي إلى أن خدمات مثل “ستارلينك” أصبحت جزءاً من البنية التحتية العسكرية والاتصالية لدول عدة، مستشهداً باستخدام أوكرانيا للإنترنت الفضائي الذي توفره الشركة في تشغيل الطائرات المسيّرة والاتصالات العسكرية خلال الحرب.
ورد سلوبوديان بأن هذا الاعتماد يثير مخاوف متزايدة لدى الحكومات الأوروبية، لأن خدمات استراتيجية حساسة أصبحت مرتبطة بشركات خاصة يقودها أشخاص يمتلكون مواقف سياسية واضحة ومؤثرة.
وتكشف هذه القراءة، بحسب “ذا ناشيونال”، عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدول وشركات التكنولوجيا العملاقة، خصوصاً مع توسع نفوذها في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة والنقل.
فإيلون ماسك، وفق هذه المقاربة، لم يعد مجرد رجل أعمال ناجح، بل أصبح رمزاً لعصر تتداخل فيه الرأسمالية الرقمية مع النفوذ السياسي والصراعات الجيوسياسية، في وقت تتزايد فيه مخاوف الحكومات من تحوّل الشركات التكنولوجية الكبرى إلى قوى عابرة للحدود قادرة على التأثير في الأمن والسياسة والاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضاً

