وطن-الرغيف الذي ظل لعقود أحد أكثر الخطوط حساسية في الحياة المصرية، بات اليوم في قلب مشروع حكومي جديد لإعادة هيكلة الدعم، وسط مخاوف واسعة من أن تتحول أزمة الخبز إلى واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية في البلاد.
من تقليص الوزن إلى تغيير النظام بالكامل
فبعد سنوات من تقليص وزن رغيف الخبز المدعوم ورفع سعره عدة مرات، تتجه الحكومة المصرية الآن نحو خطوة أكثر عمقًا، تقوم على التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، تمهيدًا لإعادة صياغة منظومة الدعم بالكامل.
المشكلة، بالنسبة لكثير من المصريين، لا تتعلق فقط بطريقة توزيع الدعم، بل بحقيقة اقتصادية قاسية يعيشها الشارع يوميًا: الأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة، بينما قيمة الدعم والمداخيل تتآكل تحت ضغط التضخم المستمر.
القدرة الشرائية تنهار
ما كان يكفي قبل سنوات لشراء احتياجات أساسية، لم يعد اليوم يكفي إلا لشراء سلعة أو اثنتين. ويعكس هذا التراجع الحاد في القوة الشرائية حجم الضغوط التي تواجهها الأسر المصرية، خصوصًا الطبقات الفقيرة ومتوسطة الدخل.
الحكومة تتحدث عن “الإصلاح”
الحكومة المصرية تبرر خططها الجديدة بأنها جزء من برنامج للإصلاح الاقتصادي وتحسين كفاءة الإنفاق العام، مؤكدة أن الهدف هو إيصال الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر عدالة ومرونة.
لكن على الأرض، يشعر كثير من المواطنين بأن النتيجة مختلفة تمامًا: أسعار أعلى، كميات أقل، ودعم يتراجع تدريجيًا، حتى في أكثر السلع ارتباطًا بالحياة اليومية، وعلى رأسها الخبز.
تغييرات كبيرة في رغيف الخبز
خلال السنوات الماضية، انخفض وزن الرغيف المدعوم من نحو 130 غرامًا إلى حوالي 90 غرامًا، فيما ارتفع سعره من 5 قروش إلى 20 قرشًا، بينما تتحدث الحكومة حاليًا عن إعادة تصور شاملة لمنظومة الخبز والدعم التمويني.
وتشير بيانات الموازنة المصرية إلى أن تكلفة دعم الخبز وحده تصل إلى نحو 116 مليار جنيه، مقارنة بأكثر من 35 مليار جنيه فقط لدعم السلع التموينية الأخرى، وهو ما تعتبره الحكومة عبئًا متزايدًا على المالية العامة.
اتجاه نحو الدعم النقدي
وبحسب مصادر تحدثت لمنصة “مدى مصر”، فإن وزارة التموين تدرس توسيع السلع المتاحة عبر بطاقات التموين، بحيث تشمل منتجات تُباع بأسعارها الحقيقية، مع تحويل الخبز نفسه إلى سلعة تُشترى بالسعر الكامل عبر البطاقة التموينية.
المصادر أوضحت أن المواطن قد يحصل على مبلغ مالي ثابت داخل البطاقة التموينية، يستخدمه بحرية بين شراء الخبز أو السلع الأخرى، لكن من دون تسعير مدعوم فعلي للخبز كما هو الحال اليوم.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف يمكن أن يكون الدعم النقدي “عادلاً” في اقتصاد ترتفع فيه الأسعار باستمرار؟ فالقيمة النقدية الثابتة تفقد جزءًا كبيرًا من قوتها الشرائية مع كل موجة تضخم جديدة.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي التحول الكامل إلى الدعم النقدي إلى زيادة الضغوط على ملايين المصريين الذين يعتمدون على الخبز المدعوم كعنصر أساسي للبقاء في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
الغلاء يضغط على الشارع
وفي بلد يعاني أصلًا من تراجع الدخول وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، تبدو أي تغييرات في منظومة الخبز شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا، نظرًا لارتباط “رغيف العيش” بالأمن الغذائي والاستقرار الشعبي.
ويرى منتقدون أن الحكومة لم تعد تركز على تخفيف العبء عن المواطن بقدر ما تسعى إلى تخفيف الضغط عن الموازنة العامة، خصوصًا مع تفاقم أزمة الديون وتراجع الموارد الاقتصادية.
اليوم، لم يعد خوف المصريين مقتصرًا على ارتفاع الأسعار فقط، بل أصبح الخوف الحقيقي من لحظة يتحول فيها الخبز نفسه إلى سلعة يصعب على الفقراء الحصول عليها بسهولة.
اقرأ المزيد

