وطن-قال رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، إن الحرب على إيران تأتي ضمن مسار إسرائيلي طويل يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، محذراً في الوقت نفسه من أن دول الخليج لم تعد قادرة على الاتكال إلى ما لا نهاية على المظلة الأمنية الأميركية، وداعياً إلى تأسيس تكتل دفاعي خليجي موحد على غرار “ناتو خليجي”.
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، جاءت تصريحات الشيخ حمد بن جاسم خلال مقابلة موسعة مع برنامج “المقابلة” على قناة الجزيرة، تطرق فيها إلى الحرب على إيران، ومستقبل أمن الخليج، والحرب الإسرائيلية على غزة، ومسار التطبيع مع إسرائيل.
وأكد الشيخ حمد أن المنطقة تمر بما وصفه بـ”عملية إعادة هيكلة كبرى”، مشيراً إلى أن التيار الإسرائيلي المتشدد، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، سعى منذ تسعينيات القرن الماضي إلى دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مع إيران بذريعة برنامجها النووي.
وأضاف، وفق ما نقلته صحيفة “ميدل إيست آي”، أن محاولات نتنياهو لإقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة بالحرب على إيران بدأت منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، إلا أن واشنطن ظلت مترددة في الانخراط في حرب شاملة، بما في ذلك خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
نتنياهو و”وهم الحرب السريعة”
وأوضح رئيس الوزراء القطري الأسبق أن نتنياهو نجح أخيراً، بحسب تعبيره، في تسويق “وهم” للإدارة الأميركية، مفاده أن الحرب ستكون قصيرة وسريعة، وأن النظام الإيراني سينهار خلال أسابيع. وربط الشيخ حمد هذا التصور بما روجت له واشنطن سابقاً في ملفات دولية أخرى، مشيراً إلى تجربة التعامل الأميركي مع الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
وقال الشيخ حمد بن جاسم إن “القوة الحقيقية لأميركا كانت دائماً في قدرتها على تجنب استخدام القوة، لا في اللجوء إليها”، معتبراً أن الانخراط العسكري الواسع لا يعكس بالضرورة نفوذاً مستداماً أو قدرة على إدارة النتائج السياسية للحروب.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، رأى الشيخ حمد أن نتنياهو هو المستفيد الأكبر من الحرب على إيران، إذ يوظفها لإعادة رسم موازين المنطقة وتسويق رؤيته لمشروع “إسرائيل الكبرى” ذات الحدود الموسعة، وهي رؤية يرى أنها تتقاطع مع حسابات إسرائيلية يمينية متشددة في الداخل والخارج.
هجمات إيران على الخليج وموقف دول المنطقة
وأشار التقرير إلى أنه منذ إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما في 28 فبراير، ردت إيران عبر شن هجمات طالت دولاً خليجية عدة، من بينها قطر، مستهدفة قواعد عسكرية أميركية، إلى جانب منشآت للطاقة وبنى تحتية مدنية وصناعية.
وأدان الشيخ حمد بن جاسم، وفق ما نقلته الصحيفة، الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة والصناعة والبنية التحتية المدنية في الخليج، مؤكداً أن دول الخليج كانت قد أعلنت بوضوح معارضتها للحرب ورفضها توسيع نطاق الصراع في المنطقة.
وعلى الرغم من انتقاده للهجمات الإيرانية، شدد المسؤول القطري السابق على أن الجغرافيا تفرض حقائق لا يمكن تجاوزها، لافتاً إلى أن قرب إيران من دول الخليج يجعل التعايش معها ضرورة استراتيجية، وأن الحوار بين العواصم الخليجية وطهران يجب أن يبقى خياراً مطروحاً لتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
دعوة إلى “ناتو خليجي” بقيادة سعودية
وفي محور الأمن الإقليمي، قال الشيخ حمد بن جاسم إن الخطر الأكبر على دول الخليج لا يتمثل فقط في إيران أو إسرائيل أو حتى القواعد الأجنبية، بل في غياب الوحدة الخليجية وتراجع التنسيق الاستراتيجي بين دول المنطقة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، دعا الشيخ حمد إلى إنشاء “ناتو خليجي” يضم دول الخليج المتقاربة استراتيجياً، على أن تكون السعودية عموده الفقري، باعتبارها الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في منظومة مجلس التعاون الخليجي.
وأوضح أن القواعد الأميركية في المنطقة وفرت، على مدى عقود، مستوى مهماً من الردع، لكنها لا يمكن أن تبقى الضامن الوحيد لأمن الخليج، خصوصاً في ظل تحوّل أولويات واشنطن نحو آسيا ومواجهة الصين.
وأضاف أن دول الخليج تحتاج إلى تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية، وبناء علاقات استراتيجية أكثر عمقاً مع قوى إقليمية وإسلامية كبرى مثل تركيا وباكستان ومصر، بما يعزز قدرتها على حماية أمنها بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
غزة ومخططات تهجير الفلسطينيين
وفي ما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على غزة، أدان الشيخ حمد بن جاسم ما وصفه بالحرب “الإبادة” التي تشنها إسرائيل على القطاع، مؤكداً أن المعلومات الاستخباراتية المتداولة تشير إلى وجود مخططات إسرائيلية لتفريغ غزة من سكانها عبر دفع الفلسطينيين إلى المغادرة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن الشيخ حمد شدد خلال المقابلة على أن أي نقاش حول نزع سلاح حركة حماس لا يمكن أن يتم بمعزل عن أفق سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، معتبراً أن تجاهل جوهر القضية الفلسطينية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع.
وأشار إلى أن الحديث عن الترتيبات الأمنية في غزة يجب أن يرتبط بحل سياسي عادل وشامل، لا بمجرد إجراءات أمنية مؤقتة أو خطط تهدف إلى إدارة الأزمة دون معالجة أسبابها.
إشادة بالموقف السعودي من التطبيع
وفي ختام حديثه عن الملف الفلسطيني، أشاد الشيخ حمد بن جاسم بالموقف السعودي الرافض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون وجود خريطة طريق واضحة نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، اعتبر الشيخ حمد أن تمسك الرياض بهذا الشرط أربك حسابات نتنياهو، الذي كان يسعى إلى توسيع دائرة التطبيع العربي مع إسرائيل من دون تقديم تنازلات حقيقية في الملف الفلسطيني.
وتأتي تصريحات رئيس الوزراء القطري الأسبق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب على إيران مع الحرب في غزة، وتتزايد فيها التساؤلات داخل الخليج حول مستقبل الأمن الإقليمي، وحدود الاعتماد على واشنطن، وإمكانية بناء منظومة دفاعية خليجية أكثر استقلالاً وتماسكاً.
اقرأ المزيد
تركي الفيصل: السعودية أحبطت مخططاً إسرائيلياً لجرّ المملكة إلى حرب مع إيران
تحالف إسرائيلي إماراتي يثير القلق في الخليج.. هل بدأت معركة النفوذ الكبرى ضد السعودية وإيران؟
الأزمة في البحرين تتصاعد بين احتجاجات مؤيدة لإيران وتشديد أمني يخدم الوجود الأمريكي

