وطن-في الأزقة الضيقة لحي البستان ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، لم تعد أكوام الركام مشهداً استثنائياً، بل تحولت إلى جزء يومي من حياة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت تهديد الهدم والتهجير في القدس الشرقية المحتلة. وبين منازل سُويت بالأرض، يقف الفلسطيني فخري أبو دياب أمام أنقاض منزله الذي هدمته السلطات الإسرائيلية، مستعيداً ذكريات طفولته مع والدته في المكان ذاته الذي تحول اليوم إلى ركام.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن إسرائيل كثفت منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023 عمليات هدم المنازل الفلسطينية في سلوان، خصوصاً في حي البستان، في إطار مشاريع استيطانية وحدائق توراتية تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى.
تصعيد غير مسبوق في سلوان
لطالما شكّلت سلوان هدفاً للمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية بسبب موقعها الاستراتيجي الملاصق للبلدة القديمة والمسجد الأقصى. لكن السكان والباحثين يؤكدون أن وتيرة الهدم تسارعت بشكل غير مسبوق خلال العامين الماضيين، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب على غزة والتصعيد الإقليمي.
ووفق التقرير، هدمت السلطات الإسرائيلية ما لا يقل عن 54 منزلاً في حي البستان وحده منذ أكتوبر 2023، من أصل نحو 115 منزلاً في الحي، بينما يواجه معظم ما تبقى أوامر هدم قائمة. كما تشير تقديرات إلى وجود نحو 20 ألف منزل فلسطيني في القدس الشرقية تحت تهديد الهدم.
ويقول سكان الحي إن بلدية الاحتلال باتت تضغط على العائلات لتنفيذ “الهدم الذاتي” لمنازلها، تحت تهديد فرض غرامات مالية باهظة إذا تدخلت الجرافات الإسرائيلية بنفسها.
مشروع استيطاني يطوق الأقصى
يرى باحثون ومنظمات حقوقية إسرائيلية أن عمليات الهدم لا ترتبط فقط بمخالفات بناء، كما تدعي السلطات الإسرائيلية، بل تندرج ضمن خطة أوسع لربط البؤر الاستيطانية اليهودية في سلوان ببعضها البعض، وتحويل المنطقة إلى امتداد لما يسمى “مدينة داود” والمشاريع التوراتية المحيطة بالقدس القديمة.
ويؤكد الباحث الإسرائيلي أفيف تاتارسكي، من منظمة “عير عميم”، أن إزالة الفلسطينيين من حي البستان ستمنح المستوطنين تواصلاً جغرافياً مباشراً بين التجمعات الاستيطانية جنوب الأقصى وغرب القدس، ما يساهم في تغيير الوعي الإسرائيلي تجاه سلوان باعتبارها جزءاً من “القدس الغربية” وليس حياً فلسطينياً محتلاً.
وأضاف أن ما يحدث يمثل “نقطة تحول خطيرة”، محذراً من احتمال اختفاء التجمعات الفلسطينية بالكامل من سلوان إذا استمرت وتيرة الهدم الحالية.
“الحدائق التوراتية” على أنقاض الفلسطينيين
تقول السلطات الإسرائيلية إن المنازل الفلسطينية في البستان أُقيمت من دون تراخيص، لكن الفلسطينيين ومنظمات حقوقية يؤكدون أن الحصول على تراخيص بناء للفلسطينيين في القدس الشرقية شبه مستحيل، بينما تُمنح المشاريع الاستيطانية تسهيلات واسعة حتى عندما تخالف قوانين التخطيط نفسها.
ويهدف المشروع الإسرائيلي في حي البستان إلى إنشاء ما يسمى “حديقة الملك” التوراتية، التي ستُربط بمجمع “مدينة داود” الاستيطاني المقام على أراضٍ فلسطينية في وادي حلوة.
ويرى الباحث المقدسي زياد إبحيص أن المسألة ليست قضية تنظيم عمراني أو تطوير خدمات، بل محاولة لفرض رواية دينية–قومية إسرائيلية على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي في القدس.
وأوضح أن سلطات الاحتلال تستخدم أدوات التخطيط والقانون كوسيلة لانتزاع الأرض وإعادة تشكيل محيط المسجد الأقصى بما يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
تفكك العائلات الفلسطينية
لا تقتصر آثار الهدم على خسارة المنازل فقط، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والنفسية للعائلات الفلسطينية. فبعد هدم البيوت، تضطر العائلات إلى التشتت بين منازل الأقارب أو استئجار مساكن صغيرة بتكاليف مرتفعة في مناطق مختلفة من القدس.
ويقول فخري أبو دياب، وهو جد لـ16 حفيداً، إن العائلات الفلسطينية في سلوان كانت تعيش كنظام اجتماعي مترابط، حيث يسكن الأبناء والأقارب بالقرب من بعضهم البعض، لكن الهدم أدى إلى تفكيك هذا النسيج بالكامل.
وأضاف أن الفلسطينيين يواجهون اليوم “أزمة سكن وأزمة نفسية وأزمة صحية”، مشيراً إلى أن ما يجري لا يستهدف الحجر فقط، بل الهوية الاجتماعية الفلسطينية في القدس.
مخاوف من “نكبة جديدة”
يحذر سكان سلوان من أن ما يحدث في حي البستان قد يمتد إلى أحياء فلسطينية أخرى مثل الشيخ جراح ورأس العمود، حيث تتزايد الضغوط الاستيطانية ومحاولات التهجير.
ويرى كثير من الفلسطينيين أن إسرائيل تستغل الحرب على غزة وحالة الصمت الدولي لتسريع مشاريع التهويد في القدس الشرقية، وفرض وقائع جديدة حول المسجد الأقصى.
ويقول أبو دياب إن السيطرة على سلوان تعني عملياً تطويق المسجد الأقصى بحزام استيطاني يفصل الفلسطينيين عن محيطهم التاريخي والديني.
وأضاف: “إذا لم يكن هناك تحرك حقيقي، فسنشهد نكبة جديدة في القدس”، في إشارة إلى مخاوف الفلسطينيين من تهجير جماعي يغيّر هوية المدينة بشكل دائم.
صمت دولي وتوسع استيطاني
تؤكد منظمات حقوقية أن إسرائيل تتحرك اليوم بثقة أكبر نتيجة غياب ضغوط دولية حقيقية، وانشغال المجتمع الدولي بالحرب على غزة. ويرى مراقبون أن هذا المناخ منح الحكومة الإسرائيلية والمجموعات الاستيطانية مساحة أوسع لتسريع عمليات الهدم والطرد في القدس الشرقية.
وبحسب حركة “السلام الآن” الإسرائيلية، يعيش أكثر من 233 ألف مستوطن إسرائيلي في القدس الشرقية المحتلة، إضافة إلى أكثر من نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، في مستوطنات يعتبرها القانون الدولي غير شرعية.
ومع استمرار الجرافات الإسرائيلية في هدم المنازل الفلسطينية في سلوان، يخشى المقدسيون أن يتحول ما يجري اليوم إلى مرحلة فاصلة في معركة القدس، عنوانها تغيير هوية المدينة ومحيط المسجد الأقصى تحت غطاء المشاريع التوراتية والاستيطانية.
اقرأ المزيد
إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين في غزة خلال 24 ساعة وتعتقل صيادين قبالة شاطئ المدينة
فضيحة الشجاعية مجدداً: كيف قتلت “عقيدة الإبادة” الإسرائيلية أسراها في قطاع غزة؟
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب

