وطن-عاد شبح القرصنة البحرية ليخيّم من جديد على واحد من أخطر الممرات المائية في العالم، بعدما تحولت ناقلة النفط «يوريكا» إلى سفينة رهائن في قلب خليج عدن، في حادثة تعكس تصاعد الفوضى الأمنية وتشابك الصراع الجيوسياسي في المنطقة الممتدة بين اليمن والصومال.
ففي واحدة من أخطر عمليات الاختطاف البحري خلال السنوات الأخيرة، اختفت الناقلة «يوريكا» بشكل مفاجئ من مسارها الطبيعي، بعد مغادرتها ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أن تتعرض لهجوم مسلح قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية فجر الثاني من مايو، وفق ما أوردته تقارير بحرية وصومالية متطابقة.
هجوم مسلح وسيطرة كاملة على الناقلة
وبحسب المعلومات المتداولة، صعد تسعة قراصنة مدججين بالسلاح إلى متن السفينة، وسيطروا عليها بالكامل خلال دقائق، قبل تعطيل جزء من إشارات التتبع البحري «AIS»، في خطوة توحي بأن العملية كانت مخططة بدقة وليست مجرد هجوم عشوائي.
لاحقاً، ظهرت إشارات السفينة قرب سواحل مدينة بوصاصو في إقليم بونتلاند الصومالي، وهي منطقة تُعرف منذ سنوات بأنها إحدى أبرز بؤر القرصنة والتهريب في القرن الإفريقي.
وعاش طاقم السفينة، المكوّن من 12 بحاراً، ساعات طويلة من الرعب والعزلة داخل الناقلة المختطفة. وتشير التقارير إلى أن الطاقم يضم ثمانية بحارة مصريين وأربعة هنود، سُمح لهم بإجراء اتصالات قصيرة جداً مع عائلاتهم قبل أن تتم مصادرة هواتفهم بالكامل.
وأكد أحد البحارة المحتجزين لعائلته أن الوضع داخل السفينة يزداد سوءاً، خصوصاً بعد تعثر مفاوضات الفدية وارتفاع المبلغ المطلوب من ثلاثة ملايين دولار إلى عشرة ملايين دولار، في مؤشر على تعقّد الأزمة ودخولها مرحلة أكثر خطورة.
اتهامات للشركة المالكة
عائلات البحارة المحتجزين وجّهت انتقادات حادة للشركة المالكة للناقلة، والتي تقول تقارير إنها مرتبطة بالإمارات، متهمة إياها بالاكتفاء بوعود عامة من قبيل «نحن نحاول» و«ننتظر نتائج التفاوض»، دون اتخاذ خطوات فعلية لتحرير الطاقم أو تسريع الحل.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان سنوات الذروة السوداء للقرصنة الصومالية، عندما كانت السفن التجارية وناقلات النفط تتحول إلى رهائن عائمة في عرض البحر، وسط عجز دولي عن السيطرة الكاملة على الممرات البحرية الحيوية.
بوصاصو… أكثر من مجرد ميناء
لكن خلف عملية الاختطاف تبرز صورة أكثر تعقيداً من مجرد عملية قرصنة تقليدية. فمدينة بوصاصو، التي اقتيدت إليها السفينة، ليست مجرد ميناء صومالي عادي، بل تُعد نقطة نفوذ استراتيجية في القرن الإفريقي، ترتبط بمشاريع موانئ واستثمارات أمنية وعسكرية إماراتية داخل إقليم بونتلاند.
ويرى مراقبون أن عودة نشاط القرصنة في هذه المنطقة الحساسة لا يمكن فصلها عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ البحري، خاصة مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب.
كما تشير تقارير صومالية إلى ارتفاع ملحوظ في عمليات اختطاف ناقلات النفط والسفن التجارية خلال الأسابيع الأخيرة، ما يعكس عودة ما يُعرف بـ«اقتصاد القرصنة» الذي ازدهر سابقاً مستفيداً من الفوضى الأمنية وضعف الرقابة البحرية.
خليج عدن يدخل مرحلة أخطر
ويُعد خليج عدن أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والبضائع المتجهة من الخليج وآسيا نحو أوروبا والعالم. لكن هذا الممر البحري الحيوي يتحول تدريجياً إلى منطقة شديدة الخطورة، تختلط فيها القرصنة بالمصالح الجيوسياسية وشبكات التهريب والصراع الإقليمي على الموانئ والنفوذ.
وفي قلب هذه العاصفة، يبقى البحارة المحتجزون الحلقة الأضعف، مجرد رهائن في لعبة تتداخل فيها الأموال والسلاح والسياسة والخوف، بينما يراقب العالم بقلق احتمال عودة عصر القرصنة البحرية بصورة أكثر تعقيداً وخطورة من السابق.
اقرأ المزيد
انكسار “مشروع الحرية”: لماذا خضع ترامب للرفض السعودي الكويتي وأوقف تصعيد مضيق هرمز؟

