وطن-تشهد ميليشيات «الدعم السريع» في السودان أخطر مراحلها منذ اندلاع الحرب، بعد سلسلة انشقاقات متلاحقة ضربت الصفوف القيادية والميدانية للتشكيل المسلح بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، في تطورات تعكس تصاعد حالة التفكك الداخلي والانهيار المعنوي داخل الميليشيا المدعومة إماراتياً.
وخلال الأسابيع الأخيرة، بدا المشهد في السودان وكأن «الدعم السريع» تدخل مرحلة الانهيار البطيء، بعدما بدأت أسماء بارزة من الصف الأول تغادر التنظيم تباعاً، بعضها من القادة المؤسسين الذين لعبوا أدواراً محورية في المعارك الدامية التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب.
بشارة الهويرة يفتح باب الانشقاقات
البداية جاءت مع القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي أعلن انشقاقه رسمياً وانضمامه إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، في خطوة اعتُبرت مؤشراً خطيراً على تصدع البنية الداخلية للميليشيا.
لكن أهمية الحدث لم تكن في قرار الانشقاق وحده، بل في حجم القوة التي انسحبت معه، إذ غادر الهويرة برفقة 11 عربة قتالية بكامل الجنود والعتاد، ما كشف عن تراجع واضح في تماسك الوحدات الميدانية التابعة لـ«الدعم السريع».
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة فتحت الباب أمام موجة أوسع من الانشقاقات، خاصة مع تصاعد الشكوك داخل صفوف المقاتلين حول مستقبل المعركة وقدرة القيادة على الحفاظ على نفوذها العسكري.
“النور القبة”.. الزلزال الحقيقي
غير أن الضربة الأقسى جاءت مع إعلان اللواء «النور القبة» انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني، وهو أحد أبرز القادة المؤسسين لـ«الدعم السريع» وأحد الوجوه العسكرية المعروفة في معارك الفاشر وإقليم دارفور.
ويحمل انشقاق «النور القبة» أبعاداً أخطر من مجرد تحول عسكري، نظراً لمكانته داخل الهيكل القيادي للميليشيا، إضافة إلى النفوذ القبلي والميداني الذي كان يتمتع به داخل قوات حميدتي.
الأخطر أن الرجل لم يغادر وحيداً، بل انسحب ومعه 136 عربة قتالية مدججة بالسلاح، في رسالة صادمة تؤكد أن الانقسام وصل إلى قلب القيادة العسكرية لـ«الدعم السريع»، وأن الأزمة لم تعد مجرد حالات فردية معزولة.
ويرى محللون أن هذا التطور قد يغيّر ميزان القوى على الأرض، خاصة في دارفور والمناطق الغربية التي تُعد من أبرز معاقل الميليشيا.
ضربة قبلية وسياسية موجعة
ثم جاءت ضربة جديدة مع إعلان القائد «علي السافنا» انشقاقه، وهو من أبرز القادة الميدانيين داخل الخرطوم والفاشر، وينتمي إلى قبيلة «الرزيقات» التي تُعتبر العمود الفقري الاجتماعي والعسكري لـ«الدعم السريع».
ولم يُنظر إلى انشقاقه كحدث عسكري فقط، بل كصفعة سياسية وقبلية ومعنوية موجعة لحميدتي، خصوصاً أن قبيلة الرزيقات شكّلت لعقود الحاضنة الأساسية للقوات التي يقودها.
وتزامن ذلك مع تصاعد تقارير تتحدث عن هروب بعض القادة الميدانيين، وتزايد المخاوف من انهيار شامل داخل الميليشيا مع استمرار الضغوط العسكرية التي يفرضها الجيش السوداني.
انضمامات جديدة للجيش السوداني
وفي تطور آخر، أعلن القيادي المعروف بـ«أبو رهف» انضمامه إلى الجيش السوداني برفقة ستة ضباط من قبيلة المحاميد، بينما اختار النقيب «بقاري المسيري» إعلان الحياد، في مؤشر إضافي على تصاعد حالة التشقق الداخلي.
وبات واضحاً أن ما يحدث داخل «الدعم السريع» لم يعد مجرد خلافات أو تباينات تكتيكية، بل أزمة وجود حقيقية تضرب التشكيل المسلح من الداخل، وتدفع مزيداً من القيادات والعناصر إلى إعادة حساباتها.
حميدتي في أخطر مراحله
اليوم، يجد حميدتي نفسه أمام أخطر معاركه منذ بداية الحرب، ليس فقط في مواجهة الجيش السوداني على الأرض، بل داخل صفوف قواته نفسها، مع تآكل الولاءات وتصاعد الانقسامات القبلية والعسكرية.
ويرى متابعون أن الدعم الإماراتي، الذي شكّل أحد أعمدة قوة «الدعم السريع»، لم يعد كافياً لوقف حالة الانهيار التدريجي التي تضرب البنية العسكرية والمعنوية للمليشيا.
ومع تسارع الانشقاقات، يزداد الحديث داخل السودان عن احتمال إعادة رسم خريطة الحرب بالكامل، خاصة إذا استمرت القيادات الميدانية في الانسحاب والانضمام إلى الجيش أو إعلان الحياد.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو «الدعم السريع» أمام مفترق طرق مصيري، قد يحدد ليس فقط مستقبل الميليشيا، بل شكل الصراع السوداني بأكمله خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
عين القاهرة على الصحراء.. لماذا تخشى مصر تحول حدودها الغربية إلى ممر لإمدادات الدعم السريع؟
كواليس الدعم الخفي.. كيف وصلت قوافل سيارات الدفع الرباعي الإماراتية إلى حدود بني شنقول؟
سودان الجوع: كيف يواجه ملايين النازحين شبح الفناء بعد جفاف منابع الإغاثة؟

