وطن-لم تعد الدلافين مجرد كائنات بحرية ذكية تُستخدم في عروض الترفيه والمتنزهات المائية، بل تحوّلت خلال العقود الأخيرة إلى عنصر خفي في الحروب الحديثة، خصوصاً في المياه الحساسة التي تشهد توترات عسكرية متصاعدة مثل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
في المنطقة التي تمر عبرها نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، لم تعد المعركة تُدار فقط بالصواريخ والبوارج والطائرات المسيّرة، بل دخلت إليها أيضاً كائنات بحرية مدرّبة تمتلك قدرات طبيعية تفوق أحياناً التكنولوجيا الحديثة تحت الماء.
وخلال الأسابيع الأخيرة، عاد ملف «الدلافين العسكرية» إلى الواجهة مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تقارير تتحدث عن احتمال استخدام هذه الحيوانات الذكية في عمليات كشف الألغام، وتعقب الغواصين، وتأمين الممرات البحرية داخل مياه الخليج ومضيق هرمز.
برنامج أمريكي سري بدأ منذ الحرب الباردة
الولايات المتحدة تُعد من أوائل الدول التي طورت برامج عسكرية تعتمد على الثدييات البحرية، إذ أطلقت البحرية الأمريكية سنة 1959 برنامجاً خاصاً لتدريب الدلافين وأسود البحر على تنفيذ مهام بحرية معقدة.
وبحسب تقارير عسكرية أمريكية، تم تدريب هذه الحيوانات على كشف الألغام البحرية، ورصد الأجسام الغارقة، وتعقب الغواصين المعادين، والعمل في المياه العكرة التي تواجه فيها الأجهزة الإلكترونية التقليدية صعوبات كبيرة.
ويؤكد خبراء البحرية الأمريكية أن الدلافين تمتلك نظام سونار طبيعي شديد الدقة، يسمح لها بتحديد الأجسام تحت الماء بكفاءة تفوق أحياناً بعض الطائرات المسيّرة والغواصات الروبوتية الحديثة.
وخلال غزو العراق عام 2003، استخدمت البحرية الأمريكية دلافين عسكرية لتأمين الممرات المؤدية إلى ميناء أم قصر، في محاولة لرصد الألغام وتأمين حركة السفن العسكرية والتجارية بعد العمليات القتالية الكبرى.
هرمز… أخطر نقطة اشتعال في العالم
اليوم يعود الحديث عن هذه البرامج في سياق مختلف وأكثر حساسية، مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج، واحتمال تحوّل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة.
ويُعد المضيق شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره ناقلات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه قادراً على إشعال أزمة طاقة عالمية خلال ساعات.
وفي هذا المناخ المتوتر، تتزايد المخاوف من استخدام أدوات غير تقليدية في الحرب البحرية، بما في ذلك الدلافين العسكرية التي تستطيع التحرك بصمت داخل المياه الضحلة والعميقة على حد سواء.
إيران والدلافين الحاملة للألغام
ورغم أن طهران لا تعلن رسمياً امتلاكها برنامجاً مماثلاً، فإن تقارير غربية تحدثت منذ سنوات عن اهتمام إيراني بتطوير برامج بحرية تعتمد على الثدييات الذكية، خصوصاً في إطار الحرب غير التقليدية داخل الخليج.
وتشير بعض التقارير إلى أن إيران درست إمكانية استخدام دلافين مدربة لحمل ألغام بحرية أو تنفيذ عمليات مراقبة داخل مضيق هرمز، في حال وقوع مواجهة واسعة مع القوات الأمريكية.
كما أثار الجدل تصريحات لمسؤولين أمريكيين رفضوا تأكيد أو نفي امتلاك واشنطن لما وصفته تقارير إعلامية بـ«الدلافين الانتحارية»، وهي دلافين يُقال إنها قد تُستخدم في مهام هجومية شديدة الخطورة ضد سفن أو غواصين معادين.
الحرب لم تعد كما كانت
ما يحدث اليوم يعكس تحولاً كبيراً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد التكنولوجيا وحدها سلاح المعارك المقبلة، بل أصبح توظيف القدرات البيولوجية والطبيعية جزءاً من استراتيجيات الصراع.
وفي منطقة مثل الخليج، حيث تتشابك المصالح العسكرية والطاقة والتنافس الجيوسياسي، يبدو أن حتى الكائنات البحرية لم تعد بعيدة عن لعبة الحرب.
وحين تتحول الدلافين، التي ارتبطت طويلاً بالذكاء والوداعة، إلى أدوات في الصراع العسكري، فإن العالم يبدو وكأنه يقترب أكثر من مشاهد أفلام الخيال السياسي، لكن هذه المرة داخل واقع حقيقي تتزايد فيه احتمالات الانفجار في أي لحظة.
اقرأ المزيد
شروط إيران المستحيلة: رفع العقوبات وضمانات هرمز تضع واشنطن في “مأزق التفاوض”
رئيس أرامكو يحذر: إغلاق مضيق هرمز يفقد سوق النفط 100 مليون برميل أسبوعياً

