وطن-في السنوات الأخيرة، تحوّل مشروع المونوريل في مصر إلى واحد من أكثر مشاريع البنية التحتية إثارةً للجدل، ليس فقط بسبب حجمه الضخم أو تكلفته المرتفعة، بل بسبب الأسئلة المتزايدة حول جدواه الاقتصادية والهندسية على المدى الطويل. فبينما تقدّمه الحكومة باعتباره نقلة حضارية في قطاع النقل الحديث، يرى مهندسون وخبراء أن المشروع قد يتحول إلى واحدة من أكثر المغامرات المالية تعقيداً في تاريخ البلاد، خصوصاً إذا فشل في تحقيق العائد التشغيلي المتوقع.
لا يتعلق الجدل الدائر اليوم بفكرة “القطار المعلق” كوسيلة نقل متطورة فحسب، بل يتمحور حول فلسفة اختيار هذا النظام تحديداً داخل بيئة جغرافية مفتوحة مثل القاهرة الجديدة والصحراء المحيطة بالعاصمة الإدارية، في وقت تمتلك فيه مصر مساحات واسعة تسمح بإنشاء أنظمة أقل تكلفة مثل المترو السطحي أو القطار الكهربائي الخفيف.
ويشير منتقدو المشروع إلى أن المونوريل في العالم يُستخدم عادة في المدن المكتظة جداً، حيث تصبح الأرض شبه مستحيلة للبناء التقليدي، كما هو الحال في بعض مناطق طوكيو وأوساكا. هناك، يتحرك القطار فوق ممرات ضيقة وبين كتل عمرانية خانقة يصعب معها إنشاء خطوط مترو عادية. أما في مصر، فيرى الخبراء أن السؤال الأساسي يصبح أكثر حساسية: لماذا يتم اختيار أحد أكثر أنظمة النقل تكلفة وتعقيداً في بيئة صحراوية مفتوحة؟
وتكمن المخاوف الرئيسية في الكلفة التشغيلية الضخمة للمشروع. فالمونوريل لا يعمل على سكك حديدية تقليدية، بل يعتمد على كمرة خرسانية واحدة وعشرات العجلات المطاطية التي تتحرك فوقها ومن جانبيها للحفاظ على التوازن والثبات. هذا يعني أن أي قطار مكون من عدة عربات يحتاج إلى عدد هائل من العجلات والأنظمة الإلكترونية الدقيقة التي تتطلب صيانة مستمرة، خصوصاً في ظروف مناخية قاسية تشمل الحرارة المرتفعة والرمال والرياح.
ويرى مختصون في هندسة النقل أن المشكلة الحقيقية لا تظهر أثناء الافتتاح أو السنوات الأولى من التشغيل، بل تبدأ لاحقاً مع تراكم تكاليف الصيانة وقطع الغيار والتحديثات التقنية. فالمونوريل، بخلاف القطارات التقليدية، يعتمد على بنية تحتية شديدة الخصوصية، ما يجعل إصلاح الأعطال أو استبدال المكونات أكثر تعقيداً وكلفة.
الأكثر إثارة للقلق، بحسب منتقدي المشروع، هو أن البنية الخرسانية الضخمة للمونوريل قد تصبح عديمة القيمة تقريباً إذا تعثر المشروع مستقبلاً. فمحطات وأعمدة المونوريل لا يمكن تحويلها بسهولة إلى خطوط مترو أو سكك حديدية عادية، ما يعني أن أي فشل اقتصادي أو تشغيلي قد يترك خلفه مليارات الدولارات من المنشآت غير القابلة لإعادة الاستخدام.
ويستشهد بعض المهندسين بالتجربة اليابانية نفسها، باعتبارها المثال الأكثر إحراجاً في هذا النقاش. فاليابان، التي تمتلك واحدة من أعقد وأكبر شبكات القطارات في العالم بأكثر من 31 ألف كيلومتر من السكك الحديدية، لم تعتمد المونوريل إلا بشكل محدود جداً، ولم تبن سوى نحو 110 كيلومترات فقط من هذا النظام، كما توقفت تقريباً عن التوسع فيه منذ أكثر من عقدين.
ويطرح الخبراء سؤالاً يعتبره كثيرون محورياً: إذا كانت اليابان، بخبرتها التكنولوجية العملاقة، تعاملت مع المونوريل كحل استثنائي محدود الاستخدام، فلماذا يجري توسيعه في مصر بهذا الشكل الضخم داخل مناطق صحراوية مفتوحة؟
في المقابل، يرى مؤيدو المشروع أن المونوريل يمثل جزءاً من خطة أوسع لتحديث البنية التحتية وربط العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة الكبرى عبر وسائل نقل حديثة وسريعة، كما يساهم في تقليل الازدحام والتلوث واستهلاك الوقود. ويؤكدون أن المشروعات الكبرى تحتاج دائماً إلى سنوات طويلة قبل أن تظهر نتائجها الاقتصادية الحقيقية.
لكن مع تصاعد الديون العالمية وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، يخشى اقتصاديون من أن يتحول المشروع إلى عبء مالي طويل الأمد، خصوصاً إذا لم يحقق كثافة ركاب كافية لتغطية جزء معتبر من نفقات التشغيل والصيانة.
وفي النهاية، قد لا يكون الخلاف الحقيقي حول شكل القطار أو تقنيته، بل حول سؤال أعمق يتعلق بكيفية تحديد أولويات الإنفاق العام: هل يُبنى المشروع استجابة لحاجة نقل حقيقية ومدروسة اقتصادياً، أم باعتباره مشروعاً بصرياً ضخماً يمنح صورة حداثية مبهرة حتى لو كانت كلفته المستقبلية أعلى بكثير مما يبدو اليوم؟
اقرأ المزيد
بين الدواء وشحن الكهرباء.. قصص من داخل البيوت المصرية التي تئن تحت وطأة الغلاء
خلف كواليس جولة أبوظبي: هل انزلقت مصر إلى “الفخ الاستراتيجي” بعد ظهور طائراتها في الإمارات؟

