وطن-في وقت يعيش فيه المسجد الأقصى واحدة من أكثر مراحله توترًا منذ عقود، يعود اسم الإمام أبو حامد الغزالي إلى الواجهة من جديد، ليس بوصفه مجرد عالم عاش قبل نحو ألف عام، بل كمفكر ما تزال أفكاره قادرة على تفسير أزمات العصر الحديث، من صعود النزعات السلطوية إلى هيمنة الأنا وثقافة الاستعراض والانقسام الروحي الذي يضرب العالم اليوم.
في تقرير مطوّل نشره موقع “ميدل إيست آي” ، زار الصحفيان لبنى مصاروة وبيتر أوبورن المسجد الأقصى في القدس المحتلة، حيث التقيا البروفيسور مصطفى أبو سوي، أستاذ الفلسفة والدراسات الإسلامية، للحديث عن الإرث الفكري العميق للإمام الغزالي، وسط ظروف وصفها التقرير بأنها تعكس حجم السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على المسجد الأقصى.
الأقصى تحت التوتر
يرسم التقرير صورة مشحونة للتعامل الأمني الإسرائيلي مع المسجد الأقصى، حيث أشار إلى وجود قوات الشرطة الإسرائيلية داخل باحات الحرم، وإلى القيود المفروضة على موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، وحتى على عمليات الترميم البسيطة داخل المسجد.
وبحسب التقرير، جاءت الزيارة بعد أيام من اقتحامات نفذها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى، حيث قال خلال إحدى الزيارات: “أشعر وكأنني المالك هنا”، في تصريحات أثارت غضبًا واسعًا في العالم الإسلامي.
في هذا المناخ المتوتر، تحدث البروفيسور مصطفى أبو سوي عن الإمام الغزالي، الذي كتب أجزاء من أشهر مؤلفاته داخل الأقصى نفسه، وتحديدًا قرب باب الرحمة في الجهة الشرقية من المسجد.
من بغداد إلى القدس.. رحلة الانهيار الروحي
وُلد الغزالي عام 1058 في مدينة طوس بخراسان، في إيران الحالية، وسرعان ما أصبح أحد أبرز علماء عصره، حتى عُيّن أستاذًا في المدرسة النظامية ببغداد، التي كانت تُعد أهم مؤسسة علمية في العالم الإسلامي آنذاك.
لكن على الرغم من الشهرة والنفوذ والثراء، دخل الغزالي في أزمة نفسية وروحية حادة غيّرت حياته بالكامل.
وبحسب ما نقله التقرير عن البروفيسور أبو سوي، فإن الغزالي فقد القدرة على الكلام والتدريس، وعانى من انهيار داخلي دفعه إلى ترك منصبه وثروته والسفر بحثًا عن العزلة والتأمل.
غادر بغداد متجهًا إلى دمشق ثم القدس، حيث أقام داخل المسجد الأقصى قرابة عامين، قبل أن يزور الخليل ويؤدي الحج في مكة والمدينة، ثم يعود لاحقًا إلى مسقط رأسه. وخلال تلك الرحلة كتب الغزالي مؤلفه الأشهر إحياء علوم الدين، الذي يُعتبر حتى اليوم من أهم الكتب في الفكر الإسلامي والتصوف والأخلاق.
لماذا يبدو الغزالي معاصرًا اليوم؟
يرى البروفيسور مصطفى أبو سوي أن أفكار الغزالي أصبحت أكثر أهمية في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة “الأنا” الحديثة.
فالغزالي، بحسب التقرير، كان يحذر من الشهرة الفارغة ومن تحويل المعرفة إلى أداة للغرور والتفاخر، داعيًا الإنسان إلى تهذيب النفس ومقاومة النزعات الأنانية.
وقال أبو سوي إن الغزالي “كان يدعو إلى عكس ما تفرضه منصات التواصل اليوم، حيث أصبح العالم مهووسًا بالاستعراض والذات”.
وربط التقرير بين هذا الطرح وبين شخصيات سياسية معاصرة، معتبرًا أن النزعة الشعبوية والاستعراض السياسي تعكس نقيض المشروع الروحي الذي دعا إليه الغزالي.
التصوف والعقل.. معركة الفهم الخاطئ
كما دافع أبو سوي عن الغزالي في مواجهة اتهامات غربية قديمة تقول إنه ساهم في إضعاف الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية.
وأوضح أن الغزالي لم يكن ضد العلوم أو المنطق أو الرياضيات، بل كان يعارض بعض التصورات الفلسفية الميتافيزيقية فقط، مؤكدًا أن الانهيار الحضاري الإسلامي ارتبط أساسًا بالغزوات الخارجية مثل اجتياح المغول لبغداد وسقوط الأندلس، وليس بأفكار الغزالي.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية حققت إنجازات ضخمة في الطب والفلك والهندسة والزراعة خلال القرون التي تلت عصر الغزالي.
الأقصى بين الماضي والحاضر
ربط التقرير أيضًا بين مرحلة الغزالي التاريخية وما يعيشه المسجد الأقصى اليوم، خاصة مع تصاعد دعوات جماعات “جبل الهيكل” الإسرائيلية المتطرفة لبناء “الهيكل الثالث” مكان المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
وأشار إلى أن المسجد شهد مؤخرًا أطول إغلاق له منذ احتلال القدس، وسط تحذيرات متزايدة من محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم الشريف.
ويختم التقرير بالتأكيد على أن الأقصى لم يكن عبر تاريخه مجرد موقع ديني، بل مركزًا للعلم والتأمل والبحث الروحي، وهو الدور الذي جسده الإمام الغزالي قبل نحو تسعة قرون، في وقت تبدو فيه أفكاره أكثر حضورًا من أي وقت مضى في عالم مضطرب يبحث عن المعنى وسط الفوضى.
اقرأ المزيد
كردستان: اكتشاف ورشة متكاملة من العصر الحديدي يغيّر فهم التنظيم الحِرفي القديم
رحلة خفية تكشف كيف رافق الإنسان الخنازير عبر المحيط منذ آلاف السنين

