وطن-تتصاعد حالة الجدل داخل ألمانيا مع استمرار محاكمة خمسة ناشطين مؤيدين لفلسطين في القضية المعروفة إعلامياً باسم «خمسة أولم»، وسط اتهامات مباشرة للسلطات القضائية بإدارة ما وصفه محامو الدفاع وعائلات المتهمين بـ«المحاكمة الصورية»، بعد فرض إجراءات أمنية مشددة اعتُبرت انتهاكاً واضحاً لحقوق الدفاع وقرينة البراءة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي“، يواجه الناشطون الخمسة تهماً تتعلق باقتحام مقر شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية في مدينة أولم جنوب غربي ألمانيا، إلى جانب اتهامات بإتلاف ممتلكات والانتماء إلى «منظمة إجرامية» مرتبطة بمجموعة «فلسطين أكشن ألمانيا».
قاعة محكمة أشبه بمحاكم الإرهاب
تحولت جلسات المحاكمة إلى ساحة مواجهة قانونية وسياسية بعدما وُضع المتهمون خلف حاجز زجاجي مضاد للرصاص بارتفاع مترين داخل قاعة المحكمة، مع تقييد حركتهم ومنعهم من التواصل السري مع محاميهم.
ووفقاً للمحامين، فإن ترتيبات المحكمة جعلت أي حديث بين المتهمين وفريق الدفاع يتم عبر ميكروفونات يمكن سماعها من قبل الحضور، ما اعتُبر انتهاكاً مباشراً لسرية التواصل القانوني وحقوق الدفاع الأساسية.
وتضم قائمة المتهمين كلاً من دانيال تاتلو ديفالي وزو هايلو وكرو تريكس وفي كوفارباسيتش ولياندرا رولو، وهم من ألمانيا وإسبانيا وإيرلندا والمملكة المتحدة.
اتهامات بانتهاك قرينة البراءة
أثارت صور المتهمين وهم مكبلو الأيدي داخل المحكمة موجة انتقادات واسعة، خاصة بعدما اعتبرت عائلاتهم أن السلطات تعاملهم كمدانين قبل صدور أي حكم قضائي.
وقالت والدة دانيال تاتلو ديفالي إن المحكمة اتخذت «قراراً واعياً» بالسماح للصحافة بتصوير المتهمين وهم بالأصفاد وخلف الزجاج المضاد للرصاص، رغم عدم وجود أي اتهامات تتعلق بالعنف ضد أشخاص أو خطر حقيقي بالفرار.
ويرى فريق الدفاع أن هذه الإجراءات تنتهك بشكل مباشر مبدأ قرينة البراءة المنصوص عليه في تشريعات الاتحاد الأوروبي، والتي تمنع عرض المتهمين أمام الجمهور بقيود جسدية إلا في ظروف استثنائية مرتبطة بالأمن أو خطر الهروب.
القاضية تمنع طلبات الدفاع
شهدت الجلسات توتراً متصاعداً بعدما منعت القاضية كاترين لاوخشتات فريق الدفاع مراراً من تقديم طلبات رسمية للاعتراض على ظروف المحاكمة، ما دفع المحامين إلى المطالبة بتنحيها عن القضية.
وقالت المحامية نينا أونر إن ما يجري «استعراض للقوة» أكثر منه محاكمة عادلة، مؤكدة أن المحامين اضطروا للصراخ أحياناً حتى يسمعهم المتهمون خلف الحاجز الزجاجي.
وأضافت أن قاعة المحكمة المستخدمة مخصصة أساساً لقضايا الإرهاب، رغم أن القضية الحالية تتعلق بنشطاء سياسيين متهمين بتخريب ممتلكات، وليس بجرائم إرهابية أو أعمال عنف مسلح.
طرد الجمهور وتصاعد التوتر
بلغت الأجواء ذروتها عندما صفق الحضور داخل القاعة بعد اعتراض أحد المحامين على ما وصفه بانتهاك أبسط الحقوق الإنسانية للمتهمين، لتأمر القاضية بإخلاء شرفة الجمهور بالكامل لمدة عشر دقائق.
ووفق روايات شهود حضروا الجلسة، دخلت عناصر الأمن إلى القاعة مرتدية معدات مكافحة الشغب، وقامت بإخراج عدد من الحضور بالقوة، في مشهد وصفه بعض الحاضرين بأنه «مخيف ومقلق».
ظروف احتجاز قاسية
بعيداً عن قاعة المحكمة، يواجه المتهمون ظروف احتجاز مشددة أثارت بدورها انتقادات حقوقية واسعة.
ويُحتجز النشطاء الخمسة في سجون منفصلة، مع منعهم من التواصل مع بعضهم البعض، بينما تخضع اتصالاتهم مع عائلاتهم ومحاميهم لرقابة صارمة.
وكشفت عائلات المعتقلين أن بعضهم يُسمح له بزيارة شهرية واحدة فقط، فيما مُنع آخرون من إجراء أي مكالمات هاتفية أو استلام رسائل مكتوبة بلغات غير الألمانية.
كما تحدثت عائلات المتهمين عن تدهور صحي ونفسي واضح، مع فقدان بعضهم للوزن نتيجة سوء التغذية والضغط النفسي المستمر داخل السجون.
قضية تتجاوز حدود المحكمة
تأتي هذه القضية وسط تصاعد أوروبي واسع في ملاحقة الحركات المؤيدة لفلسطين، خاصة تلك التي تستهدف شركات مرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية، وفي مقدمتها إلبيت سيستمز.
وبينما تصر السلطات الألمانية على أن القضية جنائية بحتة، يرى محامو الدفاع وعائلات المتهمين أن ما يحدث يعكس توجهاً سياسياً متشدداً لتجريم النشاط المؤيد لفلسطين داخل أوروبا، واستخدام قوانين مكافحة «المنظمات الإجرامية» ضد الناشطين السياسيين.
اقرأ المزيد
إعادة محاكمة الناشط الفلسطيني ماجد فريمان في بريطانيا بعد تعذر إدانته بقضايا تتعلق بمنشورات عن غزة

