وطن-تعيش المملكة المتحدة واحدة من أكثر لحظاتها السياسية اضطراباً منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعدما تحوّل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من مشروع لإنقاذ حزب العمال إلى عبء سياسي يهدد بانهيار اليسار البريطاني وصعود اليمين الشعبوي بقيادة نايجل فاراج.
فبعد الأداء الانتخابي الكارثي لحزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، تتزايد الدعوات داخل الأوساط التقدمية البريطانية لإحداث انقلاب سياسي داخل الحزب، واختيار قيادة جديدة قادرة على توحيد قوى اليسار ومنع فاراج وحزب «ريفورم يو كيه» من الوصول إلى السلطة.
وبحسب تحليل نشره الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في ميدل إيست آي، فإن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتراجع شعبية حكومة العمال، بل بانهيار الهوية السياسية للحزب نفسه بعد سنوات من الصراعات الداخلية والإقصاء السياسي الذي بدأ منذ عهد توني بلير واستمر بشكل أكثر حدة مع ستارمر.
من حرب العراق إلى غزة.. الجرح نفسه يعود
يرى مراقبون أن التشابه بين سقوط بلير السياسي بعد غزو العراق عام 2003، وما يواجهه ستارمر اليوم بسبب دعمه القوي لـإسرائيل خلال الحرب على غزة، ليس مجرد صدفة سياسية.
فكما خسر بلير جزءاً كبيراً من شرعيته الشعبية بسبب انحيازه لواشنطن، وجد ستارمر نفسه في مواجهة غضب متصاعد داخل قواعد حزب العمال بسبب دعمه للمواقف الإسرائيلية ورفضه المبكر المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة.
وبحسب التحليل، فإن هذا الموقف لم يكن مجرد خطأ في السياسة الخارجية، بل تحول إلى رمز لانفصال قيادة الحزب عن قاعدته الاجتماعية، خاصة داخل المدن التي تضم جاليات عربية ومسلمة كبيرة.
انهيار القاعدة الشعبية لحزب العمال
خلال السنوات الأخيرة، خسر حزب العمال مئات الآلاف من أعضائه، خصوصاً بعد حملة الإقصاء الواسعة التي استهدفت أنصار الزعيم السابق جيريمي كوربن.
ومنذ عام 2019، تراجع عدد أعضاء الحزب بشكل حاد، بينما تصاعد الغضب الداخلي ضد ما يوصف بسياسات «العمال الجديد» التي ركزت على إبعاد اليسار والنقابات والتيارات التقدمية عن مراكز القرار.
ويؤكد التقرير أن الانتخابات المحلية الأخيرة لم تكن مجرد تصويت على المجالس البلدية، بل استفتاء شعبي مباشر على استمرار ستارمر في قيادة البلاد حتى الانتخابات العامة المقبلة. وكانت النتيجة، وفق التحليل، «رفضاً صاخباً» لاستمرار الرجل في السلطة.
فاراج يقترب من داونينغ ستريت
في المقابل، يواصل نايجل فاراج توسيع نفوذ حزبه «ريفورم يو كيه»، مستفيداً من انهيار الثقة بالأحزاب التقليدية وتصاعد الخطاب الشعبوي المعادي للهجرة والمسلمين.
ويرى محللون أن فاراج نجح في استثمار المخاوف الاقتصادية والانقسامات الثقافية التي عمقتها أزمة «بريكست» والحرب على غزة، ليقدم نفسه باعتباره البديل القادر على «استعادة بريطانيا».
وبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، بات الحزب اليميني المتشدد قريباً من تشكيل الحكومة المقبلة إذا استمر الانقسام داخل معسكر اليسار البريطاني.
الإسلاموفوبيا تدخل قلب المعركة السياسية
أحد أخطر التحولات التي رصدها التقرير يتمثل في تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين داخل الساحة السياسية البريطانية.
فقد اتهم التحليل قيادات من حزب العمال، إلى جانب شخصيات يمينية، باستخدام مزاعم مثل «التصويت العائلي» داخل المناطق ذات الأغلبية المسلمة لتشويه خصومهم السياسيين والطعن في نزاهة الناخبين المسلمين.
ويرى مراقبون أن هذه اللغة ساهمت في تطبيع خطاب الإسلاموفوبيا داخل الحياة السياسية البريطانية، وفتحت الباب أمام اليمين الشعبوي لتوسيع نفوذه بشكل غير مسبوق.
غزة تعيد تشكيل السياسة البريطانية
تحولت الحرب على غزة إلى نقطة فاصلة في المشهد السياسي داخل بريطانيا، بعدما دفعت شرائح واسعة من الشباب واليسار والناخبين المسلمين إلى الابتعاد عن حزب العمال.
كما استفاد حزب الخضر والمستقلون من هذا التحول، خصوصاً في المدن الكبرى مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام، حيث ارتفع التصويت للقوى المؤيدة لفلسطين بشكل ملحوظ.
ويرى التقرير أن الهجوم المتكرر على النشطاء المؤيدين لفلسطين واتهامهم بمعاداة السامية لم يعد يحقق التأثير نفسه الذي كان قائماً خلال سنوات استهداف كوربن.
بل على العكس، ساهمت هذه الحملات في زيادة التعاطف الشعبي مع القوى المنتقدة لإسرائيل.
هل يستطيع اليسار وقف فاراج؟
يخلص التحليل إلى أن بقاء ستارمر في قيادة حزب العمال قد يمنح فاراج طريقاً مفتوحاً نحو رئاسة الحكومة.
ولذلك تتصاعد الدعوات داخل المعسكر التقدمي لتشكيل تحالف واسع يضم حزب العمال، والخضر، والمستقلين، والحزب الوطني الإسكتلندي، وحزب بلايد كامري الويلزي، بهدف منع اليمين الشعبوي من السيطرة على الحكم.
لكن نجاح هذا السيناريو، وفق التقرير، يتطلب أولاً إزاحة ستارمر واختيار قيادة جديدة قادرة على إعادة بناء الثقة مع قواعد اليسار البريطاني والحركات المؤيدة لفلسطين.
وفي ظل الانقسامات الحالية، تبدو بريطانيا أمام لحظة سياسية قد تعيد رسم خريطتها الحزبية بالكامل، وربما تدفع البلاد نحو أخطر تحول سياسي منذ الخروج من الاتحاد الأوروبي.
اقرأ المزيد
أزمة القيادة في بريطانيا: 81 نائباً يفصلون ستارمر عن صراع الزعامة داخل حزب العمال

