وطن-بواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، واحدة من أصعب اللحظات في مسيرته السياسية، بعدما دفعت نتائج الانتخابات المحلية القاسية التي مُني بها حزب العمال عشرات النواب إلى المطالبة برحيله أو تحديد جدول زمني لمغادرته رئاسة الحكومة والحزب.
وبحسب ما أوردته “أسوشيتد برس“، يسعى ستارمر إلى إنقاذ موقعه عبر خطاب مرتقب يوم الاثنين، يعتزم من خلاله التأكيد أنه قادر على تغيير المسار واستعادة ثقة الناخبين، بعد تراجع حاد في شعبية حكومته خلال أقل من عامين على وصوله إلى السلطة بفوز كاسح.
تمرد داخل حزب العمال
لكن موقف رئيس الوزراء البريطاني يبدو هشاً، في ظل ترقب داخل حزب العمال لما سيقوله في خطابه، وبدء عدد من الشخصيات في تقييم خياراتها السياسية. وقالت النائبة العمالية كاثرين ويست إنها ستسعى إلى إطلاق سباق على زعامة الحزب إذا لم تجد في خطاب ستارمر ما يقنعها بأن هناك تحولاً حقيقياً في الاتجاه.
وأضافت الوكالة أن نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، التي يُنظر إليها غالباً باعتبارها من أبرز الأسماء المحتملة لمنافسة ستارمر، قالت إن حزب العمال “يحتاج إلى التغيير”، لكنها لم تصل إلى حد المطالبة الصريحة باستقالته. وأكدت راينر أن “رئيس الوزراء يجب أن يواجه اللحظة الراهنة، وأن يطرح التغيير الذي تحتاجه البلاد”.
وتأتي الأزمة بعد خسائر كبيرة لحزب العمال، المنتمي إلى يسار الوسط، في الانتخابات المحلية في إنجلترا، إلى جانب اقتراعات تشريعية في اسكتلندا وويلز. وقد اعتُبرت هذه الانتخابات على نطاق واسع بمثابة استفتاء غير رسمي على أداء ستارمر، الذي تراجعت شعبيته بشكل لافت منذ دخوله مقر رئاسة الوزراء بدعم انتخابي واسع.
أزمات الاقتصاد والخدمات
وتقول “أسوشيتد برس” إن حكومة ستارمر واجهت صعوبات متزايدة في تنفيذ وعودها الأساسية، وفي مقدمتها تحقيق النمو الاقتصادي، وإصلاح الخدمات العامة المتدهورة، والتخفيف من أزمة تكاليف المعيشة. كما أضعفتها سلسلة من الأخطاء السياسية والتراجعات عن قرارات معلنة، خصوصاً في ملفات مثل إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.
وتعرض ستارمر لضربة سياسية إضافية بسبب قراره المثير للجدل تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن، وهو شخصية تحيط بها انتقادات بسبب علاقته السابقة بـ جيفري إبستين، ما زاد الضغوط على رئيس الوزراء داخل حزبه وخارجه.
ضغط من اليمين واليسار
وأظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة أن حزب العمال يتعرض لضغط من اتجاهين في آن واحد؛ فمن اليمين خسر أصواتاً لصالح حزب “إصلاح المملكة المتحدة” المناهض للهجرة، ومن اليسار خسر دعماً لصالح حزب الخضر ذي الخطاب البيئي الشعبوي. وترى أسوشيتد برس أن هذه النتائج تعكس حالة تفكك متزايدة في المشهد السياسي البريطاني، الذي ظل لعقود طويلة محكوماً بالمنافسة التقليدية بين حزب العمال وحزب المحافظين.
ستارمر يتمسك بالبقاء
وعلى الرغم من هذا المشهد الصعب، قال ستارمر في تصريحات لصحيفة “الأوبزرفر” يوم الأحد إنه يرغب في البقاء في منصبه لعقد كامل. ويعوّل رئيس الوزراء البريطاني على خطابه المرتقب يوم الاثنين، إلى جانب حزمة تشريعية طموحة من المقرر أن تُطرح يوم الأربعاء في خطاب الملك تشارلز الثالث خلال افتتاح الدورة البرلمانية.
التقارب مع أوروبا
ومن بين الملفات الرئيسية التي يعتزم ستارمر التركيز عليها تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا من التكتل عام 2020، إثر الاستفتاء الذي جرى عام 2016 وانتهى بفوز ضيق لمعسكر الخروج. وكانت حكومة ستارمر قد اتخذت بالفعل خطوات لتخفيف بعض القيود التجارية التي أثقلت كاهل الشركات البريطانية منذ “بريكست”.
وقال ستارمر لصحيفة “الأوبزرفر” إن حكومته تسعى إلى إبرام اتفاق بشأن تنقل الشباب، يسمح لهم بقضاء عدة سنوات في العمل داخل دول القارة الأوروبية. وأضاف: “لقد أعاق بريكست شبابنا”، مشدداً على أن بريطانيا “يجب أن تكون أقرب إلى أوروبا”.
لا عودة كاملة للاتحاد الأوروبي
وعلى الرغم من أن حزب العمال كان قد خاض حملة الاستفتاء عام 2016 مؤيداً لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، فإنه ظل حذراً من إعادة فتح نقاش سياسي تسبب في انقسام عميق داخل البلاد. وبحسب ما نقلته أسوشيتد برس، استبعد ستارمر السعي لإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، كما رفض العودة إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الأوروبية الموحدة، رغم أن هذين الخيارين كانا سيحدثان فارقاً كبيراً بالنسبة للشركات البريطانية.
وفي الوقت الحالي، لا يزال مستقبل كير ستارمر معلقاً على نتائج تحركاته المقبلة، وعلى قدرة خطابه السياسي على تهدئة الغضب داخل حزب العمال. ولم يدعُ أي من أبرز الأسماء المحتملة لخلافته، ومن بينهم أنجيلا راينر، ووزير الصحة ويس ستريتنغ، وعمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام، إلى استقالته بشكل مباشر.
قواعد السياسة البريطانية
لكن عدداً متزايداً من نواب حزب العمال يضغطون باتجاه مطالبة رئيس الوزراء بتحديد موعد واضح لمغادرته. وتسمح قواعد السياسة البريطانية للأحزاب بتغيير زعمائها خلال الدورة البرلمانية من دون الحاجة إلى إجراء انتخابات عامة جديدة، وهو ما يجعل الضغوط الداخلية أكثر خطورة على موقع ستارمر.
وكشفت صحيفة “تايمز أوف لندن” أن النائب العمالي جوش سايمونز، الذي كان يُعد سابقاً من الموالين لستارمر، كتب أن رئيس الوزراء “فقد البلاد”، داعياً إياه إلى “السيطرة على الموقف من خلال الإشراف على انتقال منظم إلى رئيس وزراء جديد”.
محاولة إطلاق سباق القيادة
أما كاثرين ويست، وهي وزيرة دولة سابقة، فتسعى إلى تسريع هذا المسار، إذ تعهدت بمحاولة إطلاق سباق على زعامة حزب العمال إذا لم يقدم ستارمر خطاباً قوياً ومقنعاً يوم الاثنين. غير أنها أقرت، وفق ما أوردته أسوشيتد برس، بأنها لا تملك حالياً دعم 81 نائباً، وهو العدد المطلوب لفرض منافسة على القيادة، ما يجعل تحركها أقرب إلى محاولة لدفع شخصيات أكبر داخل الحزب إلى اتخاذ خطوة علنية.
وبين خطاب الاثنين وخطاب الملك المرتقب في البرلمان، يجد ستارمر نفسه أمام اختبار سياسي حاسم: إما إقناع حزبه والناخبين بأنه قادر على إعادة ضبط مسار الحكومة البريطانية، أو فتح الباب أمام معركة داخلية قد تعيد تشكيل قيادة حزب العمال ورئاسة الوزراء في بريطانيا.
اقرأ أيضاً
ترامب يهاجم ستارمر: بريطانيا لم تعد “نفس الدولة” وتخضع لضغوط الناخبين المسلمين بشأن إيران
تفكك الغرب؟ كيف تحولت الحرب مع إيران إلى “مسمار في نعش” العلاقة بين واشنطن وأوروبا
بسبب ضرب إيران.. ترامب يهاجم ستارمر والمعارضة البريطانية تطالب بالسيطرة على “قرار الحرب”

