وطن-في عالم الحروب الرمادية والشبكات العابرة للحدود، لا يظهر اللاعبون الأخطر دائماً في الصفوف الأمامية. أحياناً يكونون رجال أعمال يرتدون بدلات فاخرة، يحملون جوازات سفر أجنبية، ويتنقلون بين دبي ومالطا ولندن بطائرات خاصة، بينما تُتهم شبكاتهم بتمويل الحروب وتهريب الوقود والسلاح وغسل الأموال.
هذا بالضبط ما تكشفه التقارير الدولية عن رجل الأعمال الليبي أحمد قدّالة، الذي بات اسمه يتكرر بقوة في ملفات الأمم المتحدة والتحقيقات الغربية المتعلقة بعائلة خليفة حفتر والنفوذ الإماراتي في ليبيا والسودان.
وبحسب تقرير مطوّل نشره موقع “ميدل إيست آي”، فإن قدّالة، المقيم في دبي والحاصل على جنسية سانت كيتس ونيفيس الكاريبية، أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز الوجوه المرتبطة اقتصادياً وعسكرياً بمعسكر قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، وسط اتهامات خطيرة ينفيها بالكامل.
من بنغازي إلى دبي
ولد أحمد قدّالة في بنغازي، وانتقل إلى الإمارات عام 2008، قبل سقوط نظام معمر القذافي بثلاث سنوات تقريباً. كما درس الهندسة وحصل على درجة ماجستير في الولايات المتحدة، ثم بدأ نشاطه التجاري ببيع منتجات السيارات والمنظفات المنزلية لشركات أمريكية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى رجل أعمال واسع النفوذ يمتلك شركات وبنوكاً وشبكات شحن ومصالح اقتصادية ضخمة داخل ليبيا وخارجها.
ومع تفكك الدولة الليبية بعد 2011، استفاد قدّالة من علاقاته الإماراتية ومن الفوضى الاقتصادية التي ضربت البلاد، ليؤسس شبكة أعمال امتدت من دبي إلى مالطا وبريطانيا.
لكن تقارير الأمم المتحدة ومنظمة “ذا سنتري” الأمريكية للتحقيقات تقول إن هذه الشبكة لم تكن مجرد نشاط تجاري عادي، بل جزء من منظومة مالية مرتبطة مباشرة بعائلة حفتر وتمويل عملياتها العسكرية.
رجل صعد بدعم من صدام حفتر
وفق تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الخاصة بليبيا، فإن صعود قدّالة داخل القطاع المالي الليبي جاء بدعم مباشر من صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز الشخصيات العسكرية النافذة في شرق ليبيا.
وتقول التقارير إن قدّالة أصبح مع الوقت جزءاً أساسياً من شبكة مالية معقدة تشمل بنوكاً وشركات شحن وتجارة نفط ومصافي وشركات واجهة موزعة بين ليبيا والإمارات ومالطا وبريطانيا.
كما تشير التحقيقات إلى امتلاكه أو سيطرته على مؤسسات مصرفية ليبية، بينها “بنك الوحدة” و”بنك التجارة والتنمية”، وهي اتهامات ينفيها قدّالة.
اتهامات بتمويل الحرب وتهريب الوقود
أخطر الاتهامات تتعلق باستخدام هذه الشبكات لتمويل عمليات قوات حفتر العسكرية، خصوصاً خلال الهجوم على العاصمة طرابلس بين 2019 و2020.
وبحسب تقرير “ذا سنتري”، فقد حصلت ثلاث شركات مقرها دبي مرتبطة بقدّالة على قروض بنحو 300 مليون دولار من مصرف “المصرف” الليبي، في وقت كانت فيه قوات حفتر تشن هجومها الواسع على طرابلس بدعم إماراتي وروسي ومصري.
ويقول التقرير إن هذه الأموال استُخدمت لتمويل العمليات العسكرية وربما لدفع تكاليف انتشار عناصر مجموعة فاغنر الروسية في ليبيا. لكن قدّالة نفى هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكداً أن شركاته لا علاقة لها بتمويل قوات حفتر أو مجموعة فاغنر أو أي أنشطة عسكرية.
شبكة شحن تحت المجهر
اسم قدّالة برز أيضاً في ملفات تهريب الوقود والأسلحة عبر البحر المتوسط. وتقول لجنة خبراء الأمم المتحدة إن شركة الشحن المرتبطة به استخدمت سفناً لنقل الوقود الليبي بصورة غير قانونية إلى الإمارات، بينما ربطت تقارير أممية سفينة “آية 1” بشحنات عسكرية كانت متجهة إلى السودان.
وفي يوليو 2025 اعترضت البحرية اليونانية والإيطالية السفينة “آية 1” أثناء توجهها من الإمارات إلى بنغازي، بعدما اشتبهت عملية “إيريني” الأوروبية في نقلها معدات عسكرية مخالفة لحظر السلاح المفروض على ليبيا.
ووفق التقرير الأممي، عُثر داخل بعض الحاويات على مركبات عسكرية، بينما اتهمت التحقيقات السفينة بالمشاركة أيضاً في صادرات غير قانونية للوقود الليبي. غير أن قدّالة نفى امتلاكه السفينة أو تورطه في تهريب الأسلحة أو الوقود.
من ليبيا إلى السودان
التحقيقات الدولية لا تربط الشبكة بليبيا فقط، بل تمتد إلى السودان ومنطقة الساحل الإفريقي. فبحسب التقارير، استُخدمت بعض خطوط التهريب المرتبطة بشرق ليبيا لنقل أسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع في السودان، في إطار شبكات إقليمية تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والتهريب العابر للحدود.
وتشير التقارير أيضاً إلى وجود صلات بين بعض هذه الشبكات وعمليات تهريب الذهب والوقود والأسلحة نحو تشاد والنيجر ومالي.
واجهة رجل أعمال أم إمبراطورية ظل؟
على الرغم كل هذه الاتهامات، يواصل أحمد قدّالة تقديم نفسه كرجل أعمال شرعي يعمل ضمن بيئة اقتصادية معقدة فرضتها سنوات الحرب والانقسام الليبي.
وفي تصريح لموقع “ميدل إيست آي”، قال إنه يرفض تماماً كل الاتهامات الواردة بحقه في تقارير الأمم المتحدة و”ذا سنتري”، مؤكداً أن أعماله تُدار بشكل قانوني وشفاف.
لكن التقرير الأمريكي يرى أن قصة صعوده تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية تحول الاقتصاد الليبي بعد الحرب إلى ساحة مفتوحة لتحالفات المال والسلاح والنفوذ السياسي.
ووصف التقرير شبكته بأنها مثال على “المنظومات الكليبتوقراطية” التي تستنزف ثروات ليبيا العامة عبر مؤسسات مالية وشركات تبدو قانونية ظاهرياً لكنها تعمل داخل اقتصاد حرب متكامل.
واشنطن تتحرك لإعادة تشكيل ليبيا
تأتي هذه التسريبات والتحقيقات في لحظة حساسة، بينما تدفع الولايات المتحدة وحلفاؤها نحو إعادة توحيد المؤسسات الليبية وتقريب الحكومتين المتنافستين في طرابلس وبنغازي.
كما تسعى واشنطن إلى تقليص النفوذ الروسي في ليبيا وتعزيز حضورها الأمني والسياسي في شمال إفريقيا، خصوصاً بعد التدريبات العسكرية المشتركة التي جمعت لأول مرة قوات من شرق وغرب ليبيا بمدينة سرت.
لكن خلف هذه التحركات الدبلوماسية، لا تزال شبكات الاقتصاد الموازي والسلاح والتهريب تتحكم بجزء كبير من المشهد الليبي.
وفي قلب هذه الشبكات، يظهر اسم أحمد قدّالة بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات غموضاً وتأثيراً في ليبيا ما بعد الحرب.
اقرأ المزيد
القاهرة تلوّح بكسر تحالفها مع حفتر: دعمه لحميدتي تجاوز للأمن القومي
نهاية درامية لـ “وريث القذافي”.. كيف قُتل سيف الإسلام ومن يقف وراء العملية؟

