وطن-في تطور يفتح باباً واسعاً من الجدل داخل كندا، اتهم تقرير جديد صادر عن منظمة «كنديون من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط» (CJPME) إسرائيل بإدارة شبكة نفوذ سرية ومتجذرة داخل المجتمع الكندي، بهدف التأثير في السياسات الحكومية والرأي العام والتغطيات الإعلامية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والحرب على غزة.
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، فإن التقرير دعا الحكومة الكندية إلى التعامل مع إسرائيل باعتبارها “جهة تهديد رئيسية” على غرار الصين والهند، مطالباً باتخاذ إجراءات غير مسبوقة تشمل طرد دبلوماسيين إسرائيليين، وحظر برامج التجسس الإسرائيلية، وفرض عقوبات على الجهات المتورطة في حملات التأثير غير المعلنة.
اتهامات بتدخل سري واسع داخل كندا
وصف التقرير ما يجري بأنه “نمط من الخداع والتضليل” يهدف إلى التأثير على الحياة السياسية والإعلامية داخل كندا دون شفافية أو مساءلة.
وعلى الرغم من إقراره بأن الدول تمارس عادة أنشطة ضغط دفاعاً عن مصالحها، أكد التقرير أن ما تنسبه المنظمة إلى إسرائيل يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي، لأنه يتم عبر وسطاء محليين وشبكات غير معلنة تسعى لإخفاء الجهة الحقيقية التي تقف خلف حملات التأثير.
واستند التقرير إلى تحقيقات وتقارير نشرتها وسائل إعلام كندية ودولية، بينها “ذا بريتش”، و”برس بروغرس”، و”ذا غلوب آند ميل”، و”تورنتو ستار”، إضافة إلى “هآرتس” و”نيويورك تايمز”.
استطلاعات رأي “موجهة” بعد حرب غزة
أحد أبرز الأمثلة التي أوردها التقرير يتعلق باستطلاع رأي أُجري عقب هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة.
وبحسب التقرير، جرى تمويل الاستطلاع بشكل سري لصالح القنصلية الإسرائيلية، عبر شركة علاقات عامة في تورونتو تُدعى “Aurora Strategies Global”، من دون الكشف عن الجهة الحقيقية التي تقف خلفه.
واتهم التقرير القائمين على الاستطلاع باستخدام أسئلة وصياغات منحازة تهدف إلى التأثير في الرأي العام الكندي لصالح الرواية الإسرائيلية حول الحرب على غزة.
كما أشار إلى أن شخصيات مقربة من الحزب الليبرالي ناقشت مشاركة نتائج الاستطلاع مع مكتب رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو، في خطوة اعتبرها محاولة للتأثير في دوائر صنع القرار السياسي.
تدخل قانوني لصالح المستوطنات
وفي مثال آخر، تحدث التقرير عن تدخل إسرائيلي سري في قضية قانونية كندية تتعلق بوسم منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وكانت المحكمة الفيدرالية الكندية قد اعتبرت عام 2019 أن وضع عبارة “منتج إسرائيلي” على بضائع قادمة من المستوطنات يُعد مضللاً للمستهلكين.
لكن التقرير يقول إن وزارة العدل الإسرائيلية تعاقدت بشكل سري مع مكتب محاماة في تورونتو للتدخل في القضية والضغط من أجل استئناف الحكم والحفاظ على آلية الوسم التي تخدم الموقف الإسرائيلي.
حملات دعائية ورحلات ممولة
كما اتهم التقرير إسرائيل بتنظيم “رحلات دعائية” لشخصيات سياسية وإعلامية كندية إلى إسرائيل، عبر مؤسسات وواجهات محلية، بهدف بناء دعم سياسي مؤثر داخل كندا.
وترى المنظمة أن المشكلة لا تتعلق فقط بغياب الشفافية، بل أيضاً بالأبعاد الأخلاقية لهذه الرحلات، خصوصاً عندما تشمل شخصيات غير منتخبة لا تخضع لقواعد الإفصاح الرسمية المفروضة على النواب والمسؤولين الحكوميين.
شبكات تضليل وحسابات وهمية
واحدة من أخطر النقاط التي كشفها التقرير تتعلق بحملة تضليل إلكترونية واسعة نُسبت إلى وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية.
وبحسب التقرير، جرى إنشاء مواقع إلكترونية مزيفة باللغة الإنجليزية، من بينها منصة تحمل اسم “United Citizens for Canada”، إضافة إلى مئات الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي المدعومة بأدوات ذكاء اصطناعي مثل “ChatGPT”.
واتهم التقرير هذه الشبكات بنشر رسائل مؤيدة لإسرائيل، وأخرى معادية للمسلمين، تصور الجاليات المسلمة باعتبارها تهديداً للمجتمعات الغربية.
“بيغاسوس” وبرامج التجسس الإسرائيلية
التقرير تطرق أيضاً إلى برامج التجسس الإسرائيلية الشهيرة، مطالباً بحظر استخدامها داخل كندا.
وذكر أسماء برامج مثل:
- “بيغاسوس” التابع لمجموعة NSO
- “Predator” التابع لشركة Cytrox
- “Graphite” التابع لشركة Paragon Solutions
واعتبر التقرير أن هذه البرمجيات قد تُستخدم في مراقبة الناشطين المؤيدين لفلسطين أو تتبع منتقدي إسرائيل داخل كندا.
مطالب بطرد دبلوماسيين إسرائيليين
وفي أخطر توصياته، دعا التقرير الحكومة الكندية إلى طرد السفير الإسرائيلي ودبلوماسيين آخرين، وفرض عقوبات على جميع الجهات المتورطة في حملات النفوذ السرية داخل البلاد.
كما شدد على أن مواجهة ما وصفه بـ”النفوذ الإسرائيلي غير المشروع” لا يجب أن تقتصر على المسؤولين الإسرائيليين فقط، بل تشمل أيضاً الأفراد والكيانات الكندية التي تشارك في هذه الأنشطة عبر التمويل أو الوساطة أو الترويج الإعلامي والسياسي.
جدل متصاعد حول الحريات والتدخل الأجنبي
ويأتي نشر هذا التقرير في وقت يشهد فيه الغرب عموماً، وكندا خصوصاً، نقاشاً متزايداً حول التدخلات الأجنبية والتأثير على الديمقراطيات الغربية عبر الإعلام والمنصات الرقمية وشبكات الضغط السياسي.
لكن حساسية الملف الإسرائيلي تجعل القضية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد الجدل العالمي بشأن الحرب على غزة، والاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات واسعة ضد الفلسطينيين، إلى جانب تصاعد الحركات المؤيدة لفلسطين داخل الجامعات والشوارع الغربية.
وبينما لم تصدر حتى الآن ردود رسمية إسرائيلية مفصلة على مضمون التقرير، فإن الوثيقة مرشحة لإثارة عاصفة سياسية وإعلامية داخل كندا خلال الفترة المقبلة، مع تصاعد الدعوات لمراجعة طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود النفوذ الأجنبي داخل المؤسسات الديمقراطية الغربية.
اقرا المزيد
تحقيق يكشف خريطة التجسس الإسرائيلية: نصف دول العالم تحت المراقبة الرقمية

