وطن-في السودان، لم تعد الحرب تُخاض فقط بالبندقية أو المدفعية الثقيلة، بل أصبحت السماء نفسها مصدر الموت اليومي. فمع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفي الصراع، تحوّلت الحرب الأهلية السودانية إلى واحدة من أخطر ساحات “الحروب عن بُعد” في العالم، حيث تُنفَّذ الضربات من خلف الشاشات، بينما يسقط المدنيون في القرى والمخيمات بلا إنذار ولا قدرة على الهروب.
تقرير مطوّل نشرته الصحفية المتخصصة في شؤون النزاعات وحقوق الإنسان صوفي نايمان نقله موقع “نيو لاينز ماغازين“، كشف كيف أعادت الطائرات المسيّرة رسم خريطة الحرب السودانية، محوّلة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى حرب تكنولوجية مفتوحة، تتداخل فيها القوى الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.
حرب الجنرالين تتحول إلى حرب السماء
بدأت الحرب السودانية في أبريل 2023 كصراع على السلطة بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”، بعد انهيار الشراكة التي أعقبت إسقاط الرئيس عمر البشير عام 2019.
لكن ما بدأ بالدبابات والقصف المدفعي في شوارع الخرطوم، تطور تدريجياً إلى حرب تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، التي أصبحت اليوم السلاح الأكثر حضوراً في ساحات القتال السودانية.
وبحسب بيانات منظمة “ACLED” المتخصصة في رصد النزاعات، شهد السودان أكثر من 500 ضربة بطائرات مسيّرة خلال عام واحد فقط، بينما ارتفع عدد القتلى المدنيين بشكل حاد مع توسع استخدام هذا النوع من الأسلحة.
أجساد محترقة… وحياة انتهت بضغطة زر
يروي التقرير قصة المقاتل السوداني “باب الله حسن”، الذي نجا من ضربة بطائرة مسيّرة في منطقة جبال النوبة، لكنه فقد ذراعه وأصابع من يده وقدمه، إضافة إلى إصابات وحروق شديدة غطت أجزاء واسعة من جسده.
كان حسن مجرد شاب يقاتل ضمن الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ويزرع الأرض لإعالة أسرته بين جولات القتال. لكن ضربة واحدة غيّرت حياته بالكامل.
يقول التقرير إن الطائرات المسيّرة لم تعد تفرّق بين المقاتلين والمدنيين، بل أصبحت أداة يومية للقتل عن بُعد، وسط غياب شبه كامل للمحاسبة أو القدرة على تحديد المسؤوليات.
المدنيون في قلب الجحيم
الأخطر في الحرب الجديدة أن الضربات لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية. فبحسب التقرير، فإن نحو نصف الهجمات المسيّرة استهدفت مناطق وبنى تحتية مدنية.
وفي إحدى القصص المأساوية، فقد السوداني “جبر الشريف الدين” ابنه أحمد البالغ من العمر 17 عاماً بعد استهداف سيارة كانت تقل نازحين أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال.
مزّقت الضربة أجساد الركاب بالكامل، بحسب روايات الناجين، فيما لم تتمكن العائلة حتى من إقامة جنازة لائقة بسبب الفقر والحصار والخوف.
ويقول والد الضحية في شهادة مؤثرة: “أشعر أنني ميت… لست حياً”.
من يزوّد السودان بالدرونات؟
يشير التقرير بوضوح إلى أن الحرب السودانية لم تعد داخلية بالكامل، بل أصبحت ساحة صراع إقليمي تستخدم فيها التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
فبحسب الاتهامات الواردة في التحقيق:
- الإمارات متهمة بدعم قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة متطورة.
- الجيش السوداني يعتمد على طائرات تركية وإيرانية الصنع.
- تقارير مشتركة لرويترز ونيويورك تايمز تحدثت عن دور مصري في تسهيل نقل بعض الطائرات عبر قواعد عسكرية قرب الحدود.
حوّل هذا التدخل الخارجي السودان إلى مختبر مفتوح لحروب الدرونات، على غرار ما يحدث في أوكرانيا وغزة ولبنان.
حرب بلا محاسبة
أحد أخطر أبعاد الحرب الجديدة هو استحالة المحاسبة تقريباً. ففي كثير من الحالات، لا يمكن تحديد ما إذا كانت الضربات استهدفت المدنيين عمداً، أم أن الضحايا سقطوا نتيجة “ضباب الحرب”. كما أن استخدام الطائرات المسيّرة يخلق طبقة إضافية من الغموض القانوني، تجعل تتبع المسؤولية أكثر تعقيداً.
حذّرت منظمة العفو الدولية من أن هذه التكنولوجيا تُستخدم وسط إفلات شبه كامل من العقاب، في وقت فشل فيه الحظر الدولي المفروض على السلاح في دارفور في منع تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة إلى السودان.
جبال النوبة… جبهة جديدة للحرب
يركز التقرير بشكل خاص على منطقة كردفان وجبال النوبة، التي تحولت إلى واحدة من أخطر ساحات القتال بسبب موقعها الاستراتيجي بين مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع. فالجيش يريد الحفاظ على خطوطه نحو دارفور، بينما تستخدم قوات الدعم السريع المنطقة كممر للعودة نحو الخرطوم.
هذا الواقع جعل القرى والمخيمات والمراكز الطبية أهدافاً متكررة للهجمات الجوية، بينما يعيش السكان في خوف دائم من صوت الطائرات المسيّرة الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.
السودان يدخل عصر “القتل عن بُعد”
تكشف الحرب السودانية كيف تغيّرت طبيعة الحروب الحديثة. فبدلاً من المواجهات التقليدية، أصبحت الطائرات المسيّرة تمنح الأطراف المتحاربة القدرة على القتل من مسافات بعيدة، بكلفة أقل، ومن دون الحاجة لوجود مباشر على الأرض.
لكن النتيجة، بحسب التقرير، كانت كارثية على المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حرب لا يرون فيها حتى من يضغط على زر القتل.
وفي بلد يعيش أصلاً واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تبدو الطائرات المسيّرة اليوم كأنها تضيف طبقة جديدة من الرعب، تجعل السلام أبعد من أي وقت مضى.
اقرأ المزيد
تصعيد عسكري وشيك على الحدود الإثيوبية السودانية يهدد النيل الأزرق وسد الروصيرص
عين القاهرة على الصحراء.. لماذا تخشى مصر تحول حدودها الغربية إلى ممر لإمدادات الدعم السريع؟

