وطن-في تطور يكشف اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والتقديرات الاستخباراتية داخل واشنطن، بدأت تقارير أمريكية مسرّبة تثير جدلاً واسعاً حول حقيقة نتائج الحرب الأخيرة على إيران، بعدما أشارت تقييمات استخباراتية إلى أن طهران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها العسكرية والصاروخية، خلافاً للرواية التي روّج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “تدمير شامل” للبنية العسكرية الإيرانية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن صور الأقمار الصناعية وبيانات المراقبة الأمريكية أظهرت أن إيران استعادت الوصول إلى عشرات القواعد الصاروخية في محيط مضيق هرمز، فيما بقيت نسبة كبيرة من ترسانتها الصاروخية سليمة وقابلة للاستخدام، رغم الضربات الجوية المكثفة التي تعرضت لها خلال الحرب.
صدمة داخل واشنطن
شكّلت التسريبات الاستخباراتية إحراجاً كبيراً للبيت الأبيض، خصوصاً بعدما كانت إدارة ترامب قد تحدثت مراراً عن نجاح العمليات العسكرية في “شل” القدرات الإيرانية وتدمير بنيتها الهجومية الرئيسية.
لكن التقرير الاستخباراتي الأمريكي، وفق ما نقلته الصحيفة، أشار إلى أن نحو 70 بالمئة من الترسانة الصاروخية الإيرانية ما تزال قائمة، إضافة إلى استمرار عمل منصات إطلاق متنقلة ومنشآت تخزين تحت الأرض.
وذكرت «نيويورك تايمز» أن ما يقارب 90 بالمئة من منشآت الصواريخ الإيرانية تحت الأرض أصبحت صالحة للعمل مجدداً بشكل جزئي أو كامل، ما يعكس قدرة طهران السريعة على إعادة تشغيل بنيتها العسكرية رغم القصف والضغوط.
الرواية الأمريكية تحت الضغط
هذه المعطيات وضعت الرواية الرسمية الأمريكية أمام اختبار صعب، خاصة أن ترامب كان قد أعلن سابقاً أن الضربات “دمرت معظم القدرات الإيرانية”، في وقت بدأت فيه أجهزة الاستخبارات تقدم صورة مختلفة تماماً.
وبحسب التسريبات، فإن إيران لم تفقد قدرتها على الردع، بل احتفظت بأجزاء حيوية من بنيتها العسكرية، بما في ذلك شبكات الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة والسيطرة.
كما أشارت التقييمات إلى أن القواعد الإيرانية عادت للعمل بوتيرة أسرع مما توقعته واشنطن، الأمر الذي دفع بعض المسؤولين الأمريكيين إلى التحذير من التقليل من قدرة إيران على التعافي العسكري السريع.
غضب في البيت الأبيض
أثارت التقارير المسرّبة غضباً داخل إدارة ترامب، حيث اعتبر الرئيس الأمريكي أن الحديث عن استمرار قوة إيران يمثل “تقويضاً للانتصار الأمريكي”، بينما حاول مسؤولون في الإدارة التقليل من أهمية التسريبات والتشكيك في بعض تفاصيلها.
غير أن مراقبين رأوا أن التسريبات تعكس خلافاً متزايداً بين الخطاب السياسي الذي يسعى لإظهار الحسم والانتصار، وبين التقديرات الاستخباراتية التي تتعامل مع الواقع الميداني بصورة أكثر تعقيداً.
النظام الإيراني لم يهتز
ولم تقتصر المفاجآت على الجانب العسكري فقط، إذ كشفت تقييمات استخباراتية أمريكية سابقة أنه لا توجد مؤشرات حقيقية على اهتزاز النظام الإيراني أو فقدانه السيطرة الداخلية، رغم الحرب والعقوبات والضغوط الاقتصادية.
وأكدت التقارير أن مؤسسات الدولة الإيرانية ما تزال متماسكة، وأن الأجهزة العسكرية والأمنية احتفظت بقدرتها على العمل وإعادة التنظيم، فيما لم تظهر انقسامات كبيرة داخل دوائر الحكم الإيرانية.
ويرى محللون أن هذه النتائج تعكس حدود القوة العسكرية في تغيير التوازنات السياسية داخل إيران، خاصة في ظل قدرة طهران على امتصاص الضربات وإعادة ترتيب أولوياتها بسرعة.
رسالة استراتيجية
تحمل التقديرات الأمريكية الجديدة، بحسب مراقبين، رسالة واضحة مفادها أن إيران ما تزال لاعباً إقليمياً صعباً، وأن أي مواجهة مستقبلية معها قد تكون أكثر تعقيداً وكلفة مما توقعته بعض دوائر القرار في واشنطن.
كما تعزز هذه التسريبات المخاوف من أن تكون الولايات المتحدة قد أخطأت في تقدير حجم المعركة، سواء من حيث قدرة إيران على الصمود أو من حيث تأثير الضربات على بنيتها العسكرية طويلة المدى.
وفي ظل استمرار التوتر في الخليج، وعودة القواعد الإيرانية للعمل، وبقاء جزء كبير من الترسانة الصاروخية سليماً، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوازن الحذر، حيث لم تنجح الحرب في حسم الصراع، لكنها كشفت في المقابل حدود القوة الأمريكية أمام خصم يمتلك قدرة عالية على التكيّف وإعادة البناء.
اقرأ المزيد
روبرت كاغان يحذر: أمريكا تواجه “كش ملك” في حرب إيران.. وهزيمة مضيق هرمز لا يمكن إصلاحها
إيران تدرس صواريخ «توماهوك» أميركية.. وملف النازحين ودور الإمارات يفتحان أسئلة ما بعد الحرب

