وطن-في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتداخل الملفات العسكرية والإنسانية والإقليمية في مشهد واحد؛ إذ تتحدث تقارير إيرانية عن محاولة طهران الاستفادة من صواريخ «توماهوك» الأميركية التي سقطت أو لم تنفجر، بينما يعيش آلاف المتضررين من الضربات في العاصمة حالة غموض بشأن السكن المؤقت. وفي الوقت نفسه، يثير الدور المنسوب إلى الإمارات في المواجهة الأخيرة تساؤلات متزايدة داخل إيران حول مستقبل التوترات في الخليج.
وقال موقع “ميدل إيست آي” في تقرير أعدته هبة ناصر، إن القوات المسلحة الإيرانية تعمل على تفكيك ودراسة صواريخ «توماهوك» أميركية الصنع عُثر عليها خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية، في محاولة لفهم تقنياتها وإعادة إنتاج بعض خصائصها ضمن برامج الصواريخ المحلية.
وبحسب ما نقل الموقع عن وكالة مهر الإيرانية شبه الرسمية، فإن الصواريخ التي أسقطتها الدفاعات الجوية الإيرانية، أو تلك التي أصابت أهدافاً لكنها لم تنفجر، باتت الآن تحت فحص مهندسين عسكريين إيرانيين، في إطار ما وصفته الوكالة بأنه “استخلاص للمعرفة من ساحة المعركة”.
وأضافت وكالة مهر أن بعض صواريخ “توماهوك” استُعيدت بحالة جزئية سليمة، بعدما فشلت أنظمة التفجير فيها أو تعرضت للتعطيل بفعل قدرات الحرب الإلكترونية الإيرانية. ووفقاً للوكالة، تسعى طهران إلى توظيف هذه الصواريخ في تطوير منظوماتها الصاروخية الخاصة.
ونقل “ميدل إيست آي” عن مهر قولها إن “استراتيجية إيران خلال حرب الأربعين يوماً تحولت إلى اكتساب المعرفة من الميدان”، مضيفة أن «كل صاروخ توماهوك سقط ولم ينفجر كان بمثابة كتاب تقني متقدم للمهندسين الإيرانيين”.
ومع ذلك، أشار الموقع إلى أن رواية وكالة مهر لم تؤكدها مصادر مستقلة أخرى. لكنه لفت إلى أن مسؤولين إيرانيين سبق أن أعلنوا، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 7 أبريل، تفجير أو تحييد ذخائر أميركية وإسرائيلية لم تنفجر.
وفي اليوم الأخير من الحرب، نشرت وكالة إيلنا الإيرانية صورة قالت إنها لصاروخ غير منفجر أصاب جزءاً من البازار الكبير في طهران، وعرّفته على أنه من طراز “توماهوك”. وتأتي هذه التطورات في سياق تاريخ طويل من العقوبات الدولية المفروضة على إيران منذ عام 1979، والتي حدّت من قدرتها على شراء وبيع الأسلحة، ودفعَتها على مدى عقود إلى تطوير صواريخ وطائرات مسيرة محلية عبر الهندسة العكسية وتقنيات بديلة.
نازحو طهران بين الفنادق وغياب اليقين
على الجانب الإنساني، قالت صحيفة اعتماد الإيرانية إن تضارب التصريحات بشأن الإقامة المؤقتة تسبب في حالة قلق بين سكان طهران الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً. فمنذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية، أعلنت بلدية طهران أن من تهدمت منازلهم أو أصبحت غير صالحة للسكن يمكنهم الإقامة مجاناً في فنادق المدينة إلى حين إيجاد مساكن بديلة أو إعادة إعمار منازلهم.
لكن الصحيفة كشفت، في تقرير نشرته السبت، أن بعض الإيرانيين النازحين المقيمين في فنادق العاصمة تلقوا إشعارات بمغادرة أماكن إقامتهم قبل نهاية الأسبوع، والبحث عن بدائل سكنية بأنفسهم.
ونقلت اعتماد عن أحد السكان، الذي تضرر منزله بشدة جراء انفجار، قوله: «لا مكان لدي أذهب إليه. إدارة الإطفاء والهلال الأحمر يقولان إن منزلي غير صالح للسكن. وحتى لو لم يكن مدمراً، فلم تعد هناك سلالم في المبنى تمكنني من الوصول إلى شقتي».
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، رد المتحدث باسم بلدية طهران، عبد المطهر محمد خاني، في اليوم التالي على هذه التقارير، قائلاً إن المتضررين عليهم التواصل مع البلدية حتى تتم متابعة ملفاتهم بشكل مباشر.
وأوضح محمد خاني أن بلدية طهران وفرت أماكن إقامة لـ6677 شخصاً في 45 فندقاً ومجمعاً سكنياً، مؤكداً أنه “ما دامت مشكلات السكن لم تُحل، فإن البلدية ستتحمل جميع تكاليف الإقامة”.
دعوات داخلية للحوار وطي صفحة الحرب
في سياق متصل، دعا المفكر الإيراني البارز محمد رضا تاجيك السلطات إلى المصالحة مع المجتمع، منتقداً الأصوات المتشددة التي تدفع باتجاه استمرار الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكتب تاجيك، وهو من أبرز الأسماء في مجال الفلسفة السياسية بإيران، مقالاً على موقع جماران القريب من حفيد المرشد الإيراني الأول روح الله الخميني، قال فيه إن على المسؤولين الاستجابة لمطالب الرأي العام، إلى جانب التعامل مع الضغوط الدولية.
وبحسب ما نقل “ميدل إيست آي”، رأى تاجيك، المعروف بانتقاداته لسياسات القمع ضد المعارضين، أن المرحلة الحالية تتطلب قرارات دقيقة من السلطة، لا سيما بعد الصدمات الداخلية التي عاشتها إيران خلال الفترة الماضية.
وكتب تاجيك بأسلوبه المعروف: “في ضوء العقل العملي وحده يمكن إدراك ما ينبغي فعله في الظروف الراهنة وما ينبغي تركه؛ وفي عتمة ليل العالم هذه يتضح أين الطريق وأين الضلال”.
كما دعا المفكر الإصلاحي إلى استثمار اللحظة الحالية لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيراً إلى الوضع الداخلي في إيران بعد حملة القمع الدامية التي أعقبت احتجاجات واسعة مناهضة للمؤسسة الحاكمة في يناير.
وأضاف تاجيك أن على أصحاب السلطة إظهار «علامات واضحة على إرادة التغيير”، والابتعاد عما جعل كثيراً من المواطنين يشعرون بـ”عدم الرضا والعجز والاغتراب والتخلي وانعدام التأثير»، معتبراً أن منح الأمل للناس شرط أساسي للمصالحة الداخلية.
ويُعد تاجيك من الشخصيات الإصلاحية التي تعرضت للاعتقال خلال أحداث الحركة الخضراء عام 2009، وهو ما يمنح مواقفه الحالية بعداً سياسياً لافتاً داخل النقاش الإيراني حول مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
دور الإمارات في الحرب يثير جدلاً إيرانياً
أما على المستوى الإقليمي، فقد تصاعد الاهتمام داخل إيران بالدور الإماراتي بعد الكشف عن تعاون عسكري وثيق بين أبوظبي وتل أبيب، إلى جانب خروج الإمارات من منظمة أوبك، وهي تطورات ربطتها تعليقات إيرانية بمستقبل التموضع الإماراتي في المنطقة.
وقالت صحيفة شرق الإصلاحية إن هذه التحولات تطرح أسئلة حول اتجاهات السياسة الإماراتية، خصوصاً بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما إذا كانت أبوظبي ستذهب نحو تعاون عسكري أوسع مع إسرائيل.
وكتب المحلل مهدي بازركان في الصحيفة أن تصريحات مسؤولين أميركيين قللت من شأن الهجمات الإيرانية التي قيل إنها استهدفت الإمارات في 4 و5 مايو، تعكس، من وجهة نظره، مؤشراً على أن واشنطن قد لا تكون مستعدة للذهاب بعيداً في الدفاع عن حليفها الخليجي.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي” عن مقال بازركان، فقد اعتبر المحلل الإيراني أن الإمارات قد تقترب أكثر من إسرائيل وتسعى إلى تعاون عسكري أوسع معها، بناءً على ما رصدته خلال الحرب ومستوى الدعم الأميركي الفعلي.
وكتب بازركان: “كلمات ترامب تظهر أن واشنطن ليست مستعدة حالياً لخوض حرب جديدة مع إيران على حساب أمن الإماراتيين”، مضيفاً أنه حتى لو دفعت أطراف مثل إسرائيل نحو تصعيد جديد مع إيران، فإن النتيجة النهائية قد تكون “أرضاً محروقة» داخل الإمارات.
كما وصف المحلل الإيراني اتفاق تطبيع العلاقات بين تل أبيب وأبوظبي عام 2020 بأنه «خطأ استراتيجي»، قائلاً إن الاتفاق بُني على فرضية أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على حماية الإمارات من التهديدات العسكرية.
وأضاف في مقاله أن “تطبيع العلاقات مع إسرائيل عرّض أبوظبي عملياً للانخراط في لعبة أكثر تعقيداً، تتجاوز متطلباتها القدرات الفعلية للدولة”، معتبراً أن فكرة الحصول على مكاسب أمنية دون تحمل تبعات ميدانية «لم تعد منسجمة مع حقائق المنطقة القاسية».
وفي تطور لافت، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير نشرته الاثنين، إن الإمارات نفذت بهدوء ضربات عسكرية داخل إيران، ما كشف، بحسب الصحيفة، عن دور أبوظبي كطرف نشط في الحرب الإسرائيلية الأميركية.
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على الأمر أن القوات الإماراتية استهدفت في مطلع أبريل مصفاة في جزيرة لافان الإيرانية الواقعة في الخليج. ولم تعلن الإمارات رسمياً مسؤوليتها عن العملية أو تؤكد تنفيذها.
وبين الحديث عن صواريخ “توماهوك” التي تحاول إيران تحليلها، وأزمة آلاف النازحين في طهران، والجدل حول الدور الإماراتي، تبدو مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مفتوحة على أسئلة أكبر من الحرب نفسها؛ أسئلة تتعلق بقدرة طهران على استثمار المواجهة عسكرياً، واحتواء آثارها داخلياً، وقراءة التحولات الإقليمية التي قد تحدد شكل التوتر المقبل في الخليج والشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً
بين واشنطن وتل أبيب.. هل يبيع ترامب طموحات نتنياهو مقابل إنهاء سريع للحرب؟
تخبط في واشنطن: ترامب يناقض وزير خارجيته حول أسباب الحرب مع إيران ودور إسرائيل

