وطن-حين يعتاد الإنسان التقليل من نفسه، فإن عقله لا يتعامل مع هذه العبارات باعتبارها مجرد كلمات عابرة، بل يميل إلى تصديقها وكأنها حقائق ثابتة. عبارات مثل: «أنا غير كفء»، «أنا فاشل»، «لن أنجح»، أو «هناك عيب فيّ»، لا تمر دائماً مرور الكرام، بل تترك أثراً عميقاً في الصورة التي يحملها الشخص عن نفسه، وتؤثر في دافعيته وقدرته على الاستمرار.
وقالت مجلة “سايكولوجي توداي” الأميركية، في تقرير تناول أثر الحديث الداخلي على الصحة النفسية، إن العقل لا يتوقف غالباً ليفحص مدى صحة ما نقوله لأنفسنا، ولا يراجع الأدلة أو الظروف قبل أن يتبنى هذه الرسائل. فهو يسمع ما نردده في داخلنا، ثم يبدأ في التعامل معه كجزء من الحقيقة الشخصية.
وفق ما أوردته المجلة، تمتلك الكلمات قوة نفسية واضحة. وما يقوله الإنسان لنفسه، خصوصاً في لحظات الضعف أو الإحباط، يمكن أن يترسخ داخلياً، فيؤثر على مشاعره العميقة، ويضعف قدرته على اتخاذ خطوات جديدة في الحياة. ومن هنا يصبح السؤال ضرورياً: إذا كانت الكلمات تؤلم وتُحبط، فلماذا لا نستخدم الحديث الذاتي نفسه كأداة لتغيير شعورنا تجاه أنفسنا؟
التغيير لا يحدث وحده
ينتظر كثيرون أن تأتيهم الحياة بما يريدون، بدلاً من أن يتحركوا هم لصناعة التغيير. قد يؤجل البعض قرارات مهمة لأن الوضع الحالي يبدو مألوفاً وأكثر أماناً، حتى لو كان غير مُرضٍ. وقد يعتقد آخرون أنهم بحاجة إلى فهم عميق ومعقد لكل تفاصيل ماضيهم ونفسياتهم قبل أن يتمكنوا من تغيير واقعهم.
وأضافت صحيفة “سايكولوجي توداي” أن هذا الاعتقاد يُعرف أحياناً بـ«مغالطة البصيرة»، أي الاعتقاد بأن الإنسان لا يستطيع إحداث تغيير حقيقي إلا بعد الوصول إلى فهم داخلي كامل وعميق. لكن هذه الفكرة قد تتحول إلى عائق، لأنها تدفع الشخص إلى الانتظار لسنوات بحثاً عن لحظة إدراك مثالية، بينما كان بإمكانه البدء بخطوات صغيرة في الحاضر.
فالتغيير، بحسب التقرير، لا يحدث في مستقبل غامض أو مؤجل، بل يبدأ من اللحظة الحالية. القرارات الصغيرة التي يتخذها الإنسان الآن، والطريقة التي يراجع بها أفكاره اليوم، يمكن أن تترك أثراً عميقاً في حياته أكثر من انتظار طويل للحظة مثالية قد لا تأتي.
غيّر أفكارك لتغيّر حياتك
يتعامل بعض الناس مع أفكارهم كما لو أنها محفورة في الصخر، ويرفضون تماماً فكرة أن ما يدور في أذهانهم قد يكون مجرد رأي أو تفسير، لا حقيقة مؤكدة. لكن الأفكار لا تملك سلطة علينا إلا بالقدر الذي نمنحه لها.
وكشفت مجلة “سايكولوجي توداي” أن الفكرة في أصلها تجربة ذهنية عابرة، تمر في العقل لتفسح المجال لفكرة أخرى. لكنها قد تتحول إلى عبء إذا تُركت دون فحص أو مراجعة، فتتراكم وتغذي مشاعر سلبية مستمرة مثل القلق، الغضب، الشعور بالذنب، التوتر، والاكتئاب.
ويميل الإنسان عادة إلى تصديق ما يراه ويسمعه، رغم معرفته بأن الحواس قد تخطئ أحياناً. وبالطريقة نفسها، يميل إلى تصديق ما يقوله لنفسه، وما يحمله من معتقدات عن ذاته والعالم. قد نتعلم التفكير النقدي عند سماع وعود السياسيين أو إعلانات المبيعات، لكننا نادراً ما نتعلم كيف نمارس التفكير النقدي تجاه أفكارنا الخاصة.
وتستحضر المجلة في هذا السياق المقولة الشهيرة للكاتب الروسي ليو تولستوي: «الجميع يفكر في تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه». فمراجعة الذات لا تعني جلدها، بل تعني القدرة على التوقف أمام الفكرة وسؤالها: هل أنت حقيقة أم مجرد تفسير؟
كيف تقود الأفكار المشاعر؟
للسيطرة على الحالات العاطفية السلبية، لا يكفي التعامل مع الشعور نفسه فقط، بل يجب البحث عن الأفكار التي تقف خلفه. فالقلق، مثلاً، قد لا يأتي من الحدث مباشرة، بل من القصة التي ينسجها العقل حول هذا الحدث.
وبحسب ما أوردته “سايكولوجي توداي”، فإن الإنسان قد يقع في «فخ ذهني» عندما يترك أفكاره غير المفلترة تسيطر على مزاجه. فمثلاً، إذا لم يرد صديقك على رسالتك فوراً، قد تستنتج أنه غاضب منك. وإذا ارتكبت خطأ بسيطاً، قد تقول لنفسك: «لماذا أنا فاشل دائماً؟».
هذه الاستنتاجات قد تبدو في لحظتها كأنها حقائق، لكنها في الواقع تفسيرات وافتراضات، وكثير منها قد يكون خاطئاً. الفخ الذهني هو عادة عقلية تجعل الإنسان يعيش داخل قصة من صنعه، ثم يتعامل معها كما لو أنها واقع لا يمكن الخروج منه.
وتوضح المجلة أن المشكلة تبدأ عندما يعتقد الشخص أن شيئاً ما صحيح لمجرد أنه «يشعر» بأنه صحيح. عندها يستجيب عاطفياً للفكرة كما لو أنها حقيقة مؤكدة، بينما هو في الواقع يعيش داخل رواية داخلية قد تكون غير دقيقة.
الأفكار ليست حقائق
يفترض معظم الناس أن أفكارهم صحيحة ببساطة، وأنها تعكس الواقع كما هو. لكن الخطوة الأولى لتغيير المشاعر تبدأ من إدراك الفرق بين الفكرة والحقيقة. فالأفكار ليست وقائع ثابتة، بل تفسيرات وانطباعات وقصص يرويها العقل حتى يفهم العالم من حوله.
وقالت مجلة «سايكولوجي توداي» إن هذه القصص قد تكون مفيدة أحياناً، وقد تكون مؤذية في أحيان أخرى. لكنها تشعرنا بأنها حقيقية عندما نفكر فيها، وهذا ما يمنحها تأثيراً نفسياً قوياً. لذلك لا يكون المطلوب إيقاف التفكير، بل تعلم كيفية ملاحظة الأفكار وفحصها قبل التسليم بها.
فعندما يقول شخص لنفسه: «أنا لا أصلح لهذا العمل»، قد تكون هذه العبارة تعبيراً عن خوف أو إحباط لحظي، لا حقيقة موضوعية. وعندما يردد: «سأفشل حتماً»، فهو لا يصف المستقبل، بل يتوقعه من خلال عدسة القلق. وهنا يصبح تغيير الحديث الذاتي خطوة أساسية لتحسين الصحة النفسية.
التفكير سهل.. لكن تغيير العقل ليس سهلاً
على الرغم من أن التفكير عملية تلقائية وسريعة، فإن تغيير طريقة التفكير ليس دائماً أمراً سهلاً. فواحدة من أصعب المهام النفسية هي أن يشكك الإنسان في أفكاره الخاصة، لا في أفكار الآخرين فقط.
ونقلت “سايكولوجي توداي” عن الاقتصادي الشهير جون كينيث غالبريث قوله إن الإنسان، عندما يُخيّر بين تغيير رأيه أو إثبات أنه لا يحتاج إلى تغييره، غالباً ما ينشغل بإعداد الإثبات. كما استشهدت بقول الكاتب المسرحي جورج برنارد شو: «من لا يستطيعون تغيير عقولهم لا يستطيعون تغيير أي شيء».
المعنى هنا أن التمسك بالفكرة لمجرد أنها مألوفة قد يبقي الإنسان داخل دائرة المعاناة. فإذا كانت الأفكار تعمل ضد صاحبها، فإن مراجعتها ليست رفاهية، بل خطوة ضرورية لتغيير الحياة. والخبر الجيد أن التفكير قابل للتشكيل، مثل الطين الخام، يمكن إعادة صياغته عبر التساؤل والمراجعة.
وبحسب المجلة، فإن الإنسان ليس هو أفكاره، وليس مضطراً للبقاء أسيراً للقصص التي يرويها لنفسه. يمكنه أن يتوقف أمام الفكرة، ويسأل: ما الدليل عليها؟ هل هناك تفسير آخر؟ هل أتحدث مع نفسي بعدل أم بقسوة؟ وهل تساعدني هذه الفكرة على التحرك أم تدفعني إلى الانكماش؟
دقيقة واحدة قد تغيّر الشعور
قد يستغرق تغيير فكرة مؤذية أقل من دقيقة أحياناً. بدلاً من الاستغراق في عبارة مثل: «أنا لا أستطيع»، يمكن للشخص أن يستبدلها بسؤال عملي: «حسناً، ما الخطوة التي يمكنني فعلها الآن؟». هذا التحول البسيط لا يغير الفكرة فقط، بل قد يغير الشعور المصاحب لها.
وأوضحت مجلة “سايكولوجي توداي” أن تغيير فكرة واحدة قد يفتح الباب أمام قصة جديدة يرويها الإنسان عن نفسه. فبدلاً من رواية الفشل والعجز، يمكن بناء رواية أكثر واقعية ومرونة: «أخطأت، لكنني أستطيع التعلم»، أو «أنا قلق الآن، لكن هذا لا يعني أنني عاجز».
غير أن البداية، كما يشير التقرير، تكون بالاستماع إلى الصوت الداخلي الصامت والقوي في الرأس. كثير من الناس لا ينتبهون إلى ما يقولونه لأنفسهم طوال اليوم، رغم أن هذه العبارات قد تكون السبب الخفي وراء توترهم أو إحباطهم أو شعورهم الدائم بالنقص.
الوعي بالحديث الداخلي
يدعو التقرير إلى تنمية الوعي بالأفكار، لا لمحاربتها بعنف، بل لملاحظتها واستبدال المؤذي منها بأفكار أكثر توازناً. فالمشكلة ليست في وجود فكرة سلبية عابرة، بل في تصديقها تلقائياً وتركها تقود السلوك والمشاعر.
وبحسب ما أوردته “سايكولوجي توداي”، فإن الوعي يمنح الإنسان القدرة على التأمل الذاتي، أي أن يرى ما يدور في ذهنه بدلاً من أن يذوب داخله. ومن هنا يمكن طرح السؤال الأهم: ما الذي يمكنني فعله في هذه الدقيقة لتغيير طريقة تفكيري، وبالتالي تغيير شعوري؟
هذا لا يعني أن تغيير الحديث الذاتي يغني عن العلاج النفسي أو الدعم المتخصص عند الحاجة. فقد شددت المجلة على أن المحتوى المتعلق بالصحة النفسية يهدف إلى التثقيف والمساعدة على الفهم، ولا يُستخدم لتشخيص الاضطرابات أو علاجها. وإذا كان الشخص يعاني مشكلات نفسية مؤثرة أو قلقاً مستمراً بشأن حالته العاطفية، فمن الأفضل استشارة مختص مرخص في الصحة النفسية للحصول على تقييم مناسب.
في النهاية، قد لا يستطيع الإنسان التحكم في كل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يبدأ بمراجعة ما يحدث داخله. فالحديث الذاتي ليس مجرد همس عابر، بل قوة يومية قد تدفع الإنسان إلى الأمام أو تعيده إلى دائرة الخوف. وبين الفكرة والشعور، توجد مساحة صغيرة يمكن أن يبدأ منها التغيير.
اقرأ أيضاً
من شوبنهاور إلى العلم الحديث: لماذا لا يحتمل المبدعون أصوات الآخرين؟
تأثير الضوضاء على الجسم: 6 مخاطر صحية لا تعرفها عن العيش في عالم صاخب
ما هو اضطراب الجهاز العصبي؟ 5 مؤشرات حاسمة تدل على أن جسمك في حالة طوارئ

