وطن-لطالما ارتبطت العبقرية في المخيلة العامة بالعزلة والتركيز والانغماس العميق في التفكير، لكن جانباً أقل تداولاً في حياة عدد من كبار الفلاسفة والمبدعين يتمثل في حساسيتهم الشديدة تجاه الضوضاء. ومن بين هؤلاء يبرز اسما الفيلسوفين آرثر شوبنهاور وإيمانويل كانط، اللذين لم تكن كراهية الضجيج بالنسبة إليهما مجرد نزعة مزاجية، بل مسألة تمس جوهر التفكير والإبداع.
وقالت مجلة “بسيكولوجي تو داي” الأميركية إن عدداً من العقول الإبداعية الكبرى، وفي مقدمتها شوبنهاور وكانط، أبدوا نفوراً واضحاً من الأصوات المزعجة، إلى درجة أن شوبنهاور خصّص مقالاً كاملاً للحديث عن الضوضاء، ربط فيه بين عدم تحمل الأصوات وبين الذكاء والقدرة على الإبداع.
وبحسب المجلة، كان شوبنهاور يرى أن العبقرية ليست سوى قدرة العقل على تركيز طاقته في نقطة واحدة، وأن أي تشويش خارجي يمكن أن يبدد هذه القدرة النادرة، فيحوّل الذهن المتقد إلى ذهن عادي مشتت.
شوبنهاور والجارَة التي انتهت قصتها في المحاكم
في أغسطس 1821، وبينما كان آرثر شوبنهاور يعيش في برلين، وقع حادث عكس بوضوح حدة حساسيته تجاه الضوضاء. كان الفيلسوف الألماني في الثالثة والثلاثين من عمره حين دخل في مشادة مع جارته، الخياطة كارولين لويز ماركيه، البالغة من العمر 47 عاماً.
وأوردت مجلة “بسيكولوجي تو داي” أن شوبنهاور استشاط غضباً في ذلك اليوم بسبب ضجيج ثلاث نساء كنّ يتحدثن في ردهة خاصة أمام شقته. وعندما طالبهن بالمغادرة، امتثلت امرأتان لطلبه، بينما رفضت ماركيه الرحيل.
لاحقاً، زعمت ماركيه أن شوبنهاور ركلها ولكمها ثم دفعها من على الدرج، ما أدى، بحسب ادعائها، إلى إصابتها بشلل في الجانب الأيمن ومنعها من مواصلة العمل. أما شوبنهاور فدافع عن نفسه قائلاً إنه لم يفعل أكثر من دفعها، وإنها سقطت عمداً على الأرض كي تتمكن من مقاضاته.
وبعد معركة قضائية استمرت ست سنوات وانتهت في مايو 1827، صدر حكم يلزم شوبنهاور بدفع نفقاتها الطبية، إلى جانب معاش سنوي قدره 60 تالر طوال حياتها. وعندما توفيت ماركيه عام 1842، سجّل الفيلسوف المعروف بفلسفته المتشائمة عبارة لاتينية في دفتر حساباته قال فيها: Obit anus, abit onus، ومعناها: “ماتت العجوز، وزال العبء”.
وتشير المجلة إلى أن هذه الواقعة تكشف جانباً معقداً من شخصية شوبنهاور، الفيلسوف الذي كتب كثيراً عن الشفقة والمعاناة، لكنه كان في حياته اليومية شديد الانفعال أمام ما يعتبره ضجيجاً يعتدي على العقل.
كانط أيضاً لم يحتمل الضجيج
لم يكن شوبنهاور وحده بين الفلاسفة الذين عانوا من الضوضاء. فقد بنى جزءاً كبيراً من فلسفته التشاؤمية على أفكار إيمانويل كانط، الذي كان بدوره يكره الأصوات المزعجة، رغم أنه عُرف بشخصيته الاجتماعية وحبه للضحك والمجالس.
وقالت مجلة “بسيكولوجي تو داي” إن كانط، الذي عاش حياته كلها تقريباً في مدينة كونيغسبرغ، كالينينغراد حالياً، كان يحتاج إلى هدوء مطلق أثناء الكتابة. وتروي الحكايات المتداولة عنه أنه غيّر سكنه ذات مرة بسبب صياح ديك كان يزعجه.
وفي مايو 1784، كتب كانط رسالة إلى رئيس الشرطة يشكو فيها مما وصفه بـ”الغناء الجهوري للصلوات من قِبل سجناء منافقين”. واستعارت عبارته وصف “ستنتوري” من الإلياذة، نسبة إلى المنادي الإغريقي ستنتور الذي قيل إن صوته كان يعادل أصوات خمسين رجلاً.
وبحسب ما أوردته المجلة، لم يكن انزعاج كانط ناجماً عن الصوت العالي وحده، بل أيضاً عن اعتقاده بأن تلك الصلوات لم تكن صادقة، وأن السجناء كانوا يؤدونها فقط كي يظهروا بمظهر المتدينين أمام السجان.
“صوت السوط” قاتل التفكير عند شوبنهاور
في مقاله الشهير عن الجلبة والضوضاء المنشور عام 1851، لم يوجّه شوبنهاور غضبه الأكبر إلى أحاديث النساء أو صخب الناس، بل إلى صوت فرقعة السياط في الشوارع الضيقة ذات الصدى العالي، وهو ما يمكن تشبيهه اليوم، كما تقول المجلة، بأصوات الدراجات النارية المسرّعة أو السيارات المعدلة بعوادم صاخبة.
وكتب شوبنهاور أن “الطرق، ونباح الكلاب، وصراخ الأطفال أمور بغيضة، لكن فرقعة السوط وحدها هي القاتل الحقيقي للفكر”. وكان يرى أن هذا الصوت لا يُحتمل لأنه غير ضروري، بل والأسوأ من ذلك أنه عديم الفائدة.
وتوضح مجلة “بسيكولوجي تو داي” أن شوبنهاور ربط بين ما يُعرف اليوم بـ”الميسوفونيا”، أي الحساسية الشديدة أو الاستجابة العاطفية والجسدية الحادة لأصوات متكررة تبدو عادية للآخرين، وبين الذكاء والإبداع.
فقد كتب شوبنهاور أن هناك كثيرين سيبتسمون ساخرين من معاناته لأنهم غير حساسين للضوضاء، لكنه اعتبر أن هؤلاء أنفسهم غير حساسين أيضاً للحجة والفكر والشعر والفن، بل لأي انطباع فكري رفيع، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بخشونة أدمغتهم.
العبقرية بوصفها تركيزاً كاملاً
يرى شوبنهاور أن جوهر العبقرية يكمن في قدرة العقل على الثبات أمام موضوع واحد، والانغماس فيه دون تشتت. وبمجرد أن يُقاطع الذهن المركّز أو يُنتزع من مساره، يفقد ميزته الاستثنائية ويصبح شبيهاً بأي عقل عادي.
وقالت المجلة إن شوبنهاور شبّه العقل العبقري بالماسة الكبيرة؛ فإذا تحطمت فقدت معظم قيمتها. كما شبّهه بالجيش؛ فإذا تفرق جنوده فقد أغلب قوته. بهذا المعنى، لم تكن الضوضاء عنده مجرد إزعاج، بل قوة خارجية قادرة على تفكيك التركيز وتبديد الطاقة العقلية.
ولا يتعلق الأمر، في رأيه، بالعبقرية وحدها، بل بالسعادة أيضاً. فكل مبدع يعرف أن من أعظم أشكال السعادة أن ينغمس العقل في اللعب الحر بالأفكار. ومن هذا المنطلق، استدعت المجلة تصور أرسطو لله بوصفه عقلاً يتأمل ذاته في نعيم كامل.
في المقابل، رأى شوبنهاور أن بعض الناس يستخدمون الضوضاء لملء فراغهم الداخلي وتخدير عقولهم، خصوصاً أولئك الذين يخافون من التفكير العميق أو يعجزون عن الربط بين الأفكار.
ماذا يقول العلم الحديث عن الضوضاء والإبداع؟
السؤال الذي يطرحه العلم اليوم هو: هل بالغ شوبنهاور في ربط كراهية الضوضاء بالذكاء والإبداع؟ أم أن في موقفه شيئاً من الحقيقة؟
بحسب مجلة “بسيكولوجي تو داي”، وجدت أبحاث حديثة أجراها باحثون في جامعة نورث وسترن الأميركية أن الإبداع في الحياة الواقعية قد يرتبط بانخفاض قدرة الدماغ على تصفية المعلومات الحسية “غير المهمة”. وهذا يعني أن بعض المبدعين قد يستقبلون قدراً أكبر من المؤثرات المحيطة مقارنة بغيرهم.
وتُعرف هذه الظاهرة أحياناً بـ”تسرّب البوابة الحسية”، حيث لا يغلق الدماغ أبوابه تماماً أمام الأصوات أو التفاصيل الجانبية. وقد يكون لهذا الأمر جانب إيجابي، لأنه يسمح بدمج أفكار بعيدة عن مجال التركيز المباشر، ما يعزز التفكير الترابطي والابتكار.
لكن المشكلة تظهر عندما تكون هذه المؤثرات الخارجية مجرد ضوضاء. فعندها لا تصبح مادة خاماً للإبداع، بل عائقاً قادراً على شل التفكير وإرباك العقل. ومن هنا يمكن فهم معاناة بعض المبدعين مع الأصوات المتكررة أو المفاجئة، حتى لو بدت عادية لمن حولهم.
وتخلص المجلة إلى تشبيه لافت: العقل العبقري يشبه محركاً عالي الضغط، يمكن أن يختل أداؤه إذا زُوّد بوقود رديء. وبالمعنى نفسه، قد لا يحتمل العقل شديد الحساسية “وقود” الضجيج والعبث والتشويش.
وعلى الرغم من أن شوبنهاور ربما بالغ في قسوته وأحكامه على من لا ينزعجون من الضوضاء، فإن العلم الحديث يشير إلى أنه كان يلمس جانباً حقيقياً من العلاقة بين الحساسية الحسية، والتركيز، والإبداع. فالهدوء، بالنسبة إلى بعض العقول، ليس رفاهية، بل شرط أساسي للتفكير العميق.
اقرأ المزيد
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي

