وطن-في إنجاز قد يفتح فصلاً جديداً في مجال العلاج بالبكتيريا، أعلن باحثون من جامعة هارفارد عن تطوير مادة قابلة للزرع داخل الجسم تستطيع احتجاز بكتيريا معدّلة وراثياً لمدة ستة أشهر كاملة، من دون أن تتسرب أي خلية منها إلى الأنسجة المحيطة. ويعالج هذا التطور واحدة من أكبر العقبات التي لاحقت فكرة استخدام البكتيريا كدواء داخل جسم الإنسان على مدى عقدين: كيف يمكن الاستفادة من قدرات الكائنات الدقيقة العلاجية من دون فقدان السيطرة عليها؟
وقالت مجلة “موي إنتريسينتي” الإسبانية إن فريقاً بحثياً من معهد ويس للهندسة المستوحاة من البيولوجيا في هارفارد، بالتعاون مع مدرسة جون إيه بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية، نشر في مجلة “دورية العلوم” نتائج مادة جديدة تحمل اسم “المادة الحية القابلة للزرع” أو ILM، بقيادة الباحثين تيتسوهيرو هاريموتو وديفيد جيه موني.
وبحسب ما أوردته المجلة، تعتمد الفكرة على بكتيريا من نوع “Escherichia coli” جرى تعديلها وراثياً كي تعمل كحراس بيولوجيين داخل غرسة دقيقة. هذه البكتيريا لا تهاجم الجسم، ولا تسبح بحرية في الأنسجة، بل تبقى محصورة داخل هيدروجيل خاص من كحول البولي فينيل، وتنتظر ظهور الإشارة المرضية المستهدفة. وعند اكتشاف العامل الممرض، تُفعّل البكتيريا برنامجاً داخلياً يؤدي إلى تدميرها ذاتياً، لتطلق في اللحظة نفسها بروتيناً مضاداً للبكتيريا بدقة عالية.
المشكلة التي عطّلت العلاج بالبكتيريا لعشرين عاماً
لم تكن فكرة استخدام البكتيريا في العلاج جديدة. فمنذ سنوات طويلة يتخيل العلماء إمكانية برمجة كائنات دقيقة لتعيش قرب موضع المرض، وتستشعر تغيرات البيئة الحيوية حولها، ثم تفرز دواءً أو بروتيناً علاجياً فقط عند الحاجة. لكن المشكلة الأساسية لم تكن في تصميم الدوائر الجينية داخل البكتيريا، بل في منع هذه البكتيريا من الهروب من الحاوية التي توضع فيها داخل الجسم.
وأضافت مجلة “موي إنتريسينتي” أن البكتيريا، عندما تنمو وتتكاثر، تولّد ضغوطاً داخلية قد تتجاوز 300 كيلوباسكال، وهي قوة كافية لتشويه أو تمزيق كثير من أنظمة التغليف السابقة. ولهذا لم تتمكن معظم المحاولات القديمة من إبقاء البكتيريا العلاجية محصورة لأكثر من أسبوعين قبل أن تبدأ المادة الحاضنة في التشقق أو الانهيار.
وتزداد أهمية هذا التحدي في حالات مثل التهابات المفاصل الصناعية، وهي من أكثر المضاعفات صعوبة في جراحات إعادة بناء المفاصل. فبكتيريا “Pseudomonas aeruginosa” قادرة على الالتصاق بالأسطح المعدنية للأطراف والمفاصل الصناعية، وتشكيل مستعمرات مقاومة تجعل المضادات الحيوية أقل فعالية. ووفقاً لما نقلته المجلة عن الدراسة، قد تصل معدلات فشل العلاج في هذه الحالات إلى 75%، حتى مع التنظيف الجراحي واستخدام المضادات الحيوية الوريدية لفترات طويلة.
تتمثل الفكرة الجوهرية هنا أن المضاد الحيوي ينتشر في الجسم كله، لكنه لا يصل دائماً بالتركيز والفاعلية المطلوبين إلى المكان الأكثر أهمية: سطح الزرعة أو المفصل الصناعي الذي تتشبث به البكتيريا. ومن هنا تظهر قيمة غرسة حيوية قادرة على البقاء في الموقع نفسه، ورصد العدوى عند ظهورها، وإطلاق العلاج مباشرة في موضع المشكلة.
صلابة المادة هي مفتاح احتجاز البكتيريا
وكشفت مجلة “موي إنتريسينتي” أن الاكتشاف الأساسي في عمل فريق هارفارد لا يرتبط فقط بالهندسة الوراثية، بل بالميكانيكا الدقيقة للمادة التي تحتجز البكتيريا. فقد وجد الباحثون أن العامل الحاسم في منع انتشار الكائنات الدقيقة ليس قوة الشد وحدها، ولا قدرة المادة على امتصاص الطاقة قبل الانكسار، بل درجة صلابتها.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة “دورية العلوم” ، حدد الفريق عتبة ميكانيكية تقارب 1.5 ميغاباسكال لمعامل المرونة. وعندما تتجاوز المادة هذه العتبة، تصبح البكتيريا غير قادرة على تشويه المصفوفة المحيطة بها، وبالتالي يتوقف تمددها. بعبارة أخرى، لا تحتاج البكتيريا إلى “قتل” داخل الغرسة لمنع خروجها، بل يكفي وضعها في بيئة صلبة بالقدر المناسب كي لا تستطيع دفع حدودها إلى الخارج.
لكن المواد شديدة الصلابة غالباً ما تكون هشة وسريعة التشقق، وهذه كانت معضلة إضافية أمام الباحثين. ولحلها، طوّر فريق هارفارد هيدروجيل كحول البولي فينيل عبر دورات من التجميد عند 20 درجة مئوية تحت الصفر، ثم التجفيف المنضبط، ثم الترسيب الملحي. والنتيجة كانت مادة تجمع بين معامل مرونة يقارب 3 ميغاباسكال ومتانة ضد الكسر تفوق بعشرة أضعاف مادة الأغاروز ذات الصلابة المشابهة.
وأوضحت المجلة الإسبانية أن المادة خضعت لاختبار قاسٍ شمل 10 آلاف دورة تحميل ميكانيكي لمحاكاة الضغوط التي تتعرض لها العضلات في الحياة اليومية، ولم تفشل أو تنهار. كما وُضعت البكتيريا داخل ميكروجيلات من الجيلاتين مدمجة في مصفوفة كحول البولي فينيل، بحيث تحافظ هذه الكبسولات الدقيقة على حيوية البكتيريا أثناء تصنيع الغرسة.
وخلال ستة أشهر من الزراعة المستمرة، مع أخذ عينات كل عشرة أيام، لم يعثر الباحثون على أي خلية بكتيرية خارج الغرسة. ووفقاً لما أوردته “موي إنتريسينتي”، بقيت النتيجة نفسها حتى عند تعريض المادة للضغط أو الشد، أو عند إحداث عيوب مقصودة في بنيتها.
بكتيريا تراقب العدوى ثم تنتحر
داخل هذه المادة الحية القابلة للزرع، تحمل البكتيريا دائرة جينية تعتمد على آلية تعرف باسم استشعار النصاب أو “Quorum “sensing. هذه الآلية تسمح لها برصد جزيئات معينة تنتجها بكتيريا “P. aeruginosa” عندما تصل إلى كثافة مرتبطة بوجود عدوى فعلية، وتحديداً جزيئات “N-acyl homoserine lactones”.
وعندما تلتقط البكتيريا المعدلة هذه الإشارة، يتم تنشيط الجين E، وهو ما يؤدي إلى تحللها الذاتي المبرمج. وفي لحظة الانفجار الخلوي، تطلق البكتيريا بروتيناً مضاداً للبكتيريا يعرف باسم البيوسين الكيميري، صُمم لاستهداف “Pseudomonas aeruginosa” بشكل دقيق، بدلاً من العمل كمضاد حيوي واسع الطيف قد يضر بالميكروبيوم المحلي.
وقالت مجلة “موي إنتريسينتي” إن هذه النقطة مهمة لأنها تجعل العلاج أكثر انتقائية. فبدلاً من تدمير مجموعة واسعة من البكتيريا النافعة والضارة معاً، كما تفعل بعض المضادات الحيوية، يستهدف النظام البكتيريا الممرضة المقصودة فقط، ما قد يقلل خطر اختلال البيئة الميكروبية في موضع الزرع.
ولا يعني تحلل بعض البكتيريا داخل الغرسة انتهاء عمل النظام. فالدراسة تشير إلى وجود تجدد بكتيري عشوائي يسمح بحدوث استجابات لاحقة عند تكرار الإشارة المرضية. وقد اختبر الباحثون البكتيريا المستخرجة من الغرسات بعد شهر وبعد ستة أشهر، ووجدوا أن دوائرها الجينية ما زالت تستجيب كما هو مخطط لها.
وفي تعليق مرافق للدراسة في مجلة “دورية العلوم”، أوضح الباحثان كايغ تشين وكوانيين هو أن ما يميز هذا النظام عن المحاولات السابقة هو أن الفريق لم يتعامل مع المادة الحاضنة كوعاء سلبي، بل كعامل نشط يحدد ما إذا كانت البكتيريا المحتجزة تستطيع أداء وظيفتها بأمان على المدى الطويل.
نتائج واعدة في نموذج عدوى المفصل الصناعي
وفي تجربة على الفئران تحاكي عدوى مفصل صناعي بسلالة من “Pseudomonas aeruginosa” معزولة من مريض، أظهرت الغرسات العلاجية الحية انخفاضاً كبيراً في الحمل البكتيري مقارنة بمجموعات الضبط بعد ثلاثة أيام من حدوث العدوى.
وبحسب ما نقلته مجلة “موي إنتريسينتي” عن الدراسة، فإن هذه النتيجة تمنح النظام الجديد قيمة خاصة في مكافحة العدوى المرتبطة بالزرعات الطبية، وهي من أخطر المشكلات التي تواجه جراحات العظام والمفاصل الصناعية. فوجود منصة علاجية مزروعة في المكان نفسه، قادرة على الاستجابة عند ظهور العدوى، قد يغير طريقة التعامل مع حالات طالما احتاجت إلى تدخلات جراحية متكررة ومضادات حيوية مكثفة.
مع ذلك، لم يقدّم البحث بعد دليلاً نهائياً على جاهزية التقنية للاستخدام البشري. فالنتائج ما زالت في المرحلة قبل السريرية، والتجارب الحية اقتصرت على الفئران، كما أن فترة متابعة السلامة داخل الجسم لم تتجاوز سبعة أيام، وهي مدة قصيرة لتقييم الاستجابة المناعية على المدى الطويل أو في بيئات أقرب إلى أنسجة الإنسان.
حدود الدراسة وما لم تثبته بعد
وأشارت مجلة “موي إنتريسينتي” إلى أن النظام لم ينجح حتى الآن مع بكتيريا موجبة الغرام مثل “Bacillus subtilis”، ما يعني أن نطاق الاستخدام العلاجي لا يزال محدوداً حالياً بالسلالات سالبة الغرام. كما يؤكد مؤلفو الدراسة أنفسهم أن الانتقال نحو التطبيق السريري سيحتاج إلى تجارب أطول داخل الجسم، ونماذج مناعية أقرب إلى الإنسان، وفهم أعمق لكيفية تفاعل الجسم مع غرسة حية تحتوي على بكتيريا معدلة وراثياً.
وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي للدراسة كان مكافحة عدوى المفاصل الصناعية، فإن إمكانات التقنية قد تتجاوز هذا المجال. فقد أشار البحث إلى تجربة أولية في الأورام، حيث تمت برمجة بكتيريا محتجزة لإطلاق سمّ مكوّن للمسام، ما أدى إلى تقليل ملحوظ في حيوية خلايا ورمية من نوع “CT26” داخل المختبر. وهذه ليست تجربة علاجية سريرية، لكنها تمثل دليلاً مبدئياً على أن المنصة قد تُطوّع مستقبلاً لتطبيقات أوسع في علاج السرطان أو أمراض أخرى.
وقالت المجلة إن أهمية الإنجاز تكمن في أنه للمرة الأولى يتم تجاوز حاجز الأسبوعين، الذي ظل سقفاً لمعظم أنظمة احتجاز البكتيريا خلال عشرين عاماً من المحاولات. أما النظام الجديد، فقد مدّد فترة الاحتواء إلى ستة أشهر، أي ما يعادل مضاعفة زمنية كبيرة قد تمنح العلاج بالبكتيريا أساساً عملياً أكثر واقعية.
ويبقى السؤال المفتوح الآن: هل يمكن للهيدروجيل نفسه أن يستضيف أكثر من نوع من البكتيريا المبرمجة للاستجابة لإشارات مرضية متعددة؟ وهل سيؤدي ذلك إلى توسيع القدرات العلاجية أم إلى تعقيد الاستجابة المناعية للجسم؟ حتى الآن، لا تقدم الدراسة إجابة نهائية، لكنها تضع منصة واعدة قد تعيد إحياء مجال ظل طويلاً عالقاً بين وعود الهندسة الوراثية وحدود المواد الحيوية.
اقرأ المزيد
أعمار مفصلية: لماذا يتغير دماغك بشكل مفاجئ عند سن الـ 9، 32، 66، و83؟
دراسة ستانفورد تكشف مفاجأة: الإنسان لا يشيخ تدريجياً.. بل يمر بقفزتين حاسمتين عند 44 و60 عاماً

