وطن-في وقت تتصاعد فيه التوترات في الشرق الأوسط وتتزايد المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، تكشف تقارير دفاعية غربية عن أزمة متفاقمة داخل القوات المسلحة البريطانية، عنوانها الأبرز: التراجع الحاد في قوة البحرية الملكية، التي تقلصت خلال ثلاثة عقود من واحدة من أكبر القوى البحرية في العالم إلى أسطول محدود يضم 25 سفينة قتالية فقط.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فإن هذا التراجع بات يثير تساؤلات جدية حول قدرة بريطانيا على الحفاظ على دورها العسكري العالمي، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الأميركية على حلفائها للمشاركة في المواجهات الأمنية والعسكرية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
توتر مع واشنطن بسبب إيران
ظهرت الأزمة بوضوح بعد إعلان الحكومة البريطانية نشر أصول عسكرية ضمن «مهمة دفاعية مستقبلية» تهدف إلى حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، عقب التصعيد الإقليمي الأخير مع إيران.
وعلى الرغم من أن لندن قدمت الخطوة باعتبارها مساهمة دفاعية لحماية الأمن البحري، فإن امتناع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن الانضمام إلى العملية العسكرية الأميركية ضد إيران، المعروفة باسم «عملية الغضب الملحمي»، أثار غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وهاجم ترامب الموقف البريطاني علناً، معتبراً أن لندن لم تعد الحليف العسكري الذي يمكن الاعتماد عليه كما كان الحال في العقود الماضية، وقال في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أميركية: «عندما احتجنا إليهم، لم يكونوا موجودين».
ولم يكتفِ ترامب بانتقاد الموقف السياسي البريطاني، بل سخر أيضاً من قدرات البحرية الملكية نفسها، واصفاً حاملات الطائرات البريطانية بأنها «ألعاب» مقارنة بالحاملات الأميركية العملاقة.
25 سفينة فقط للقتال
تكشف الأرقام التي أوردها خبراء دفاعيون حجم التراجع الذي أصاب القوة البحرية البريطانية.
ففي عام 1996، كانت البحرية الملكية تمتلك:
- 22 فرقاطة
- 15 مدمرة
- 17 غواصة
- 3 حاملات طائرات
أما اليوم، فلم يتبقَّ سوى:
- 7 فرقاطات
- 6 مدمرات
- 10 غواصات
- حاملتي طائرات
ووفقاً للخبير الأمني جون هيمينغز، فإن 25 قطعة فقط من أصل 63 سفينة بحرية بريطانية تُعد سفناً قتالية فعلية قادرة على خوض عمليات عسكرية.
ويرى هيمينغز أن هذا الرقم لا يتناسب مع طموحات بريطانيا الدولية ولا مع حجم مسؤولياتها العسكرية الممتدة من أوروبا إلى الخليج والمحيطين الهندي والهادئ.
سنوات من التخفيضات والإنهاك
يرجع خبراء الدفاع جذور الأزمة إلى التخفيضات المالية التي بدأت بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين شرعت الحكومات البريطانية المتعاقبة في تقليص الإنفاق العسكري بشكل واسع.
وعلى الرغم من أن لندن تحدثت آنذاك عن «إجراءات مؤقتة»، فإن التخفيضات تحولت مع الوقت إلى سياسة طويلة الأمد أدت إلى إنهاك القوات المسلحة البريطانية.
ويقول مدير العلوم العسكرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة «RUSI»، ماثيو سافيل، إن بريطانيا تواجه اليوم «حقائق قاسية» تتعلق بقدرتها الفعلية على خوض حروب كبرى أو الحفاظ على انتشار عسكري واسع.
وأضاف أن أي قرار سياسي بالمشاركة العسكرية يصطدم مباشرة بسؤال أساسي: هل تمتلك بريطانيا فعلاً القوة الكافية لتنفيذ ما تريده سياسياً؟
الخليج ومضيق هرمز.. اختبار القوة البريطانية
أعلنت بريطانيا مؤخراً نشر معدات دفاعية جديدة في الخليج تشمل:
- أنظمة مضادة للطائرات المسيّرة
- معدات ذاتية لمكافحة الألغام
- مقاتلات «تايفون»
- المدمرة HMS Dragon
لكن هذه التحركات، بحسب محللين، تعكس طبيعة الدور البريطاني الجديد: مساهمة دفاعية محدودة بدلاً من قيادة عمليات هجومية واسعة كما كان يحدث في السابق.
كما يشير خبراء إلى أن الوجود العسكري البريطاني في الشرق الأوسط تقلص تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، بعد أن أعادت لندن ترتيب أولوياتها الدفاعية باتجاه أوروبا وحلف الناتو، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
تحذيرات من «ثقافة الاعتماد» على أمريكا
وفي تقرير آخر صادر عن لجنة العلاقات الدولية والدفاع في مجلس اللوردات البريطاني، حذر مشرعون من أن التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة تحول مع الوقت إلى «ثقافة اعتماد» أضعفت القدرات البريطانية الذاتية.
ورأى التقرير أن لندن فقدت جزءاً من مصداقيتها العسكرية لدى واشنطن بسبب اعتمادها المفرط على الحماية والقدرات الأميركية، داعياً إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء القوة العسكرية البريطانية.
هل تكفي زيادة الإنفاق العسكري؟
تعهدت حكومة كير ستارمر برفع الإنفاق الدفاعي إلى:
- 2.5% من الناتج المحلي بحلول 2027
- ثم 3% لاحقاً
كما أعلنت عن استثمارات عسكرية بمئات المليارات خلال السنوات المقبلة.
لكن محللين يرون أن استعادة القوة البريطانية السابقة لن تكون سهلة أو سريعة، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بالتمويل، بل أيضاً بتراجع التصنيع العسكري ونقص الأفراد والضغوط المتراكمة على الجيش والبحرية وسلاح الجو.
نهاية «الإمبراطورية البحرية»؟
تطرح هذه التطورات سؤالاً أوسع حول موقع بريطانيا في النظام الدولي الجديد.
فالدولة التي حكمت البحار لعقود طويلة، وقادت واحدة من أكبر الإمبراطوريات البحرية في التاريخ، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف: قوة متوسطة تحاول الحفاظ على نفوذ عالمي بقدرات عسكرية تتآكل تدريجياً.
وبينما ترى بعض الدوائر الأميركية أن تراجع الدور البريطاني يمثل ضربة لـ«العلاقة الخاصة» بين واشنطن ولندن، يعتبر آخرون أن ما يحدث يكشف ببساطة حدود القوة البريطانية الحقيقية بعد سنوات طويلة من التخفيضات والإنهاك العسكري.
قد يعحبك
ترامب يهاجم ستارمر: بريطانيا لم تعد “نفس الدولة” وتخضع لضغوط الناخبين المسلمين بشأن إيران
بسبب ضرب إيران.. ترامب يهاجم ستارمر والمعارضة البريطانية تطالب بالسيطرة على “قرار الحرب”
“دبلوماسية اللا”: كيف فكك حلفاء واشنطن شيفرة التعامل مع ترامب دون خسائر؟

