وطن-عادت قضية إسقاط رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي، بعد تسريب وثيقة دبلوماسية سرية تُعرف داخل باكستان باسم «سايفر»، كشفت تفاصيل صادمة عن ضغوط أمريكية يُعتقد أنها مورست قبل أسابيع فقط من الإطاحة بحكومته عام 2022.
أعادت الوثيقة التي نشرتها منصة التحقيقات الأمريكية «دروب سايت نيوز»، إحياء اتهامات ظل عمران خان يكررها منذ عزله، حين تحدث عن «مؤامرة خارجية» شاركت فيها أطراف داخلية وخارجية لإبعاده عن السلطة بسبب مواقفه السياسية وخياراته في السياسة الخارجية.
وبحسب ما نقلته صحيفة «فيرست بوست» الهندية، فإن البرقية الدبلوماسية المسربة تحمل الرمز «آي-0678»، وتتضمن تفاصيل لقاء جرى في 7 مارس 2022 بين السفير الباكستاني في واشنطن أسد مجيد خان، ومساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب ووسط آسيا دونالد لو، أي قبل نحو شهر واحد فقط من إسقاط حكومة عمران خان عبر تصويت بحجب الثقة في البرلمان.
اللافت في التسريب أن المسؤول الأمريكي ربط وفق ما ورد في الوثيقة، بين مستقبل العلاقات الأمريكية الباكستانية وبين مصير عمران خان السياسي. ونُقل عن دونالد لو قوله إن نجاح التصويت ضد خان سيجعل «كل شيء يُغتفر في واشنطن»، بينما سيؤدي فشل الإطاحة به إلى «عزلة أوروبية وأمريكية» لباكستان.
هذه العبارات أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية الباكستانية، لأنها جاءت بعد أيام فقط من زيارة عمران خان إلى موسكو، في ذروة الحرب الروسية الأوكرانية، وهي الزيارة التي أثارت غضباً غربياً واسعاً آنذاك.
ويرى مراقبون أن عمران خان حاول خلال فترة حكمه تقديم باكستان كدولة أكثر استقلالاً عن النفوذ الأمريكي، عبر تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا، ورفض الانخراط الكامل في الاستراتيجية الغربية ضد موسكو.
كما تحدثت تقارير عن رفضه منح الولايات المتحدة تسهيلات داخل الأراضي الباكستانية لاستخدام الطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل أفغانستان، وهو ما اعتُبر داخل دوائر أمريكية تجاوزاً لخطوط استراتيجية حساسة.
وتقول صحيفة «فيرست بوست» إن ما كشفته وثيقة «سايفر» يمنح رواية عمران خان زخماً جديداً، وينقلها من خانة «نظرية المؤامرة» إلى مستوى أكثر جدية، خاصة أن خان كان قد لوّح سابقاً بورقة خلال تجمع جماهيري، قائلاً إنها دليل على تدخل خارجي لإسقاط حكومته.
لكن القضية لا تتعلق بواشنطن وحدها، إذ تربط التحليلات بين سقوط عمران خان وبين موقف المؤسسة العسكرية الباكستانية، التي يُعتقد أنها لم تكن مرتاحة لتوجهاته الخارجية، ولا لمحاولاته إعادة رسم توازن العلاقة مع الولايات المتحدة.
ويُنظر إلى الجيش الباكستاني منذ عقود باعتباره القوة الأكثر نفوذاً داخل الدولة، سواء عبر الحكم المباشر أو عبر التأثير العميق في الحكومات المدنية والسياسة الخارجية والأمنية.
وبحسب المقال، فإن الجيش فضّل التعامل مع قيادة سياسية أكثر قرباً من خياراته التقليدية، وهو ما سهّل عودة شهباز شريف إلى السلطة بعد إسقاط حكومة خان.
وتصف بعض التحليلات ما حدث بأنه «انقلاب ناعم»، لم تُستخدم فيه الدبابات، بل جرى عبر أدوات سياسية وبرلمانية وقضائية، بدعم داخلي وخارجي متقاطع.
كما كشفت منصة «دروب سايت نيوز» أن مرحلة ما بعد إسقاط عمران خان شهدت تغيراً في سياسة باكستان تجاه واشنطن، إذ بدأت إسلام آباد، وفق التسريبات، بتقديم دعم غير معلن لأوكرانيا عبر تزويدها بقذائف وذخائر من خلال قنوات مرتبطة بمقاولين أمريكيين ودول ثالثة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حجم النفوذ الذي لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ به داخل بنية الدولة الباكستانية، خصوصاً عبر العلاقة التاريخية مع الجيش وأجهزة الأمن.
ويأتي هذا الجدل في وقت لا يزال فيه عمران خان يتمتع بشعبية واسعة داخل الشارع الباكستاني، رغم سجنه ومحاولات تحجيم حزبه سياسياً.
كما أن توقيت نشر الوثيقة يضع المؤسسة العسكرية الباكستانية تحت ضغط متزايد، ويعيد طرح السؤال الأكثر حساسية في البلاد: من يحكم فعلياً؟ الحكومة المنتخبة أم الجنرالات؟
ويرى محللون أن قضية «سايفر» قد تتحول إلى نقطة فاصلة في الحياة السياسية الباكستانية، لأنها لا تتعلق فقط بإسقاط حكومة، بل بطبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة والولايات المتحدة، في دولة عاشت لعقود طويلة تحت تأثير توازن معقد بين السلطة المدنية والنفوذ العسكري.
وفي ظل التوترات الإقليمية الحالية، ومحاولات باكستان لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، قد تتجاوز تداعيات هذه الوثيقة حدود الداخل الباكستاني، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والتحالفات في آسيا والشرق الأوسط.
قد يعجبك
تحالف سعودي تركي باكستاني محتمل يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية

