وطن-بين العبء العاطفي، وضغط الدراسة، وتوقعات المجتمع، عاد الجدل مجدداً حول سؤال قديم بصياغة جديدة: هل يشعر آباء البنات وأمهاتهن بمستويات أعلى من التوتر مقارنة بآباء الأولاد؟
لم يعد السؤال يبدو عابراً، بعدما أشارت دراسات واستطلاعات حديثة إلى أن تربية الفتيات قد ترتبط، في بعض المراحل العمرية، بضغط نفسي يومي أكبر على الوالدين، خصوصاً مع دخول مرحلة المراهقة واتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
وقالت مجلة «سيكولوجي» الفرنسية إن استطلاعاً أجراه المعهد الوطني لصحة الوالدين في الولايات المتحدة، وشمل أكثر من 5 آلاف أب وأم على مدار عام كامل، أظهر أن آباء الفتيات أبلغوا عن مستويات أعلى من التوتر اليومي مقارنة بآباء الأولاد.
وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن آباء البنات كانوا أكثر عرضة تقريباً بمرتين للشعور بالإنهاك العاطفي مع نهاية الأسبوع.
عبء عاطفي أكبر في الحياة اليومية
وأوضحت مجلة «سيكولوجي» أن كثيراً من المشاركين تحدثوا عن شعورهم بأن تربية البنات تتطلب حضوراً عاطفياً أكثر كثافة في الحياة اليومية.
فالآباء والأمهات يجدون أنفسهم، وفق المجلة، أمام نقاشات متكررة تتعلق بالمشاعر، والثقة بالنفس، والعلاقات الاجتماعية، والقلق الدراسي، وهي موضوعات تحتاج إلى إنصات طويل واحتواء نفسي مستمر.
ويصبح هذا العبء أوضح خلال مرحلة المراهقة، حين تصبح الفتاة أكثر تأثراً بنظرة الآخرين، وبصورتها عن نفسها، وبمكانتها داخل محيطها الاجتماعي.
وفي هذه المرحلة، لا يقتصر دور الوالدين على المتابعة الدراسية أو الرعاية اليومية، بل يمتد إلى تقديم دعم نفسي دائم، وفتح حوارات حساسة حول الهوية، والجسد، والعلاقات، والضغوط الاجتماعية.
وسائل التواصل الاجتماعي تزيد القلق
وأضافت مجلة «سيكولوجي» أن كثيراً من الأسر المشاركة في الاستطلاع تحدثت عن قلق متزايد من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الفتيات، خصوصاً فيما يتعلق بصورة الجسد، والمقارنات المستمرة، وتعليقات الآخرين، ومعايير الجمال والنجاح التي تفرضها المنصات الرقمية.
هذه المخاوف تجعل عدداً كبيراً من الآباء يشعرون بأنهم مطالبون بحضور دائم ومراقبة غير مباشرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحوار الهادئ وتجنب الصدام مع الأبناء.
ولا ينفصل هذا الضغط، بحسب المجلة، عن شعور بعض الأسر بأنها تتحمل مسؤولية مضاعفة في إعداد بناتها لمجتمع يرونه أكثر قسوة في أحكامه على الفتيات.
فالكثير من الآباء يشعرون بأن ابنتهم مطالبة بأن تكون ناجحة دراسياً، ومتزنة عاطفياً، وواثقة من نفسها، وقادرة على حماية حدودها الشخصية، وهي توقعات تتحول أحياناً إلى ضغط تربوي ونفسي ثقيل على الأسرة بأكملها.
الصحة النفسية للمراهقات تحت الضغط
وتتقاطع هذه النتائج مع أبحاث حديثة حول الصحة النفسية للمراهقات. فقد حذرت منظمة الصحة العالمية، في تقرير نشر عام 2024، من ارتفاع ملحوظ في معدلات التوتر والضغط النفسي بين الفتيات في سن المراهقة، مشيرة إلى تأثير الدراسة ووسائل التواصل الاجتماعي والمعايير الاجتماعية على تراجع الرفاه النفسي لدى شريحة واسعة منهن.
وبحسب ما نقلته مجلة «سيكولوجي»، فإن المراهقات يصرحن بمعدلات أعلى من القلق، وانخفاض تقدير الذات، والشعور بالضغط المستمر، مقارنة بكثير من الفئات العمرية الأخرى.
ولا تبقى هذه الضغوط محصورة داخل عالم الفتاة فقط، بل تنعكس بصورة مباشرة على الوالدين، اللذين يجدان نفسيهما في حالة متابعة نفسية مستمرة لأي تغير في المزاج أو السلوك.
كما تشير دراسات أخرى إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً واضحاً في مؤشرات المعاناة النفسية لدى الفتيات، نتيجة اجتماع عدة عوامل، من بينها ضغط المظهر الخارجي، والرغبة في التفوق الدراسي، والحاجة إلى القبول الاجتماعي، وتعقيدات العلاقات داخل المدرسة وخارجها.
الباحثون يحذرون من التعميم
مع ذلك، يحذر الباحثون من الوصول إلى استنتاجات قاطعة أو إطلاق تعميمات سريعة. فليست كل أسرة لديها بنت تعيش ضغطاً نفسياً أكبر، كما أن تربية الأولاد ليست أقل إرهاقاً بالضرورة.
وأشارت دراسات علمية منشورة على منصة «بي إم سي» إلى أن التوتر الأبوي يرتبط بعوامل متعددة، منها شخصية الطفل، وطبيعة العلاقة داخل الأسرة، والوضع المالي، ومستوى الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحصل عليه الوالدان.
كما تؤكد بعض الدراسات أن الأولاد قد يسببون أنواعاً مختلفة من الإرهاق النفسي، خصوصاً فيما يتعلق بالحركة الزائدة، والاندفاع، وصعوبة ضبط السلوك، ونوبات الغضب أو التمرد.
وهذا يعني أن المقارنة بين تربية البنات وتربية الأولاد لا يمكن اختزالها في قاعدة واحدة أو تجربة موحدة.
التربية الحديثة أصبحت أكثر تعقيداً
ترى مجلة «سيكولوجي» أن هذه الدراسات تكشف جانباً مهماً من تحولات التربية الحديثة. فآباء اليوم لا يشعرون بأن دورهم يقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية فقط، بل يعتبرون أنفسهم مسؤولين أيضاً عن النجاح الدراسي، والصحة النفسية، وبناء الثقة بالنفس، والحماية الرقمية، والحياة الاجتماعية لأبنائهم.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تربية البنات أصعب من تربية الأولاد؟ بل: كيف أصبحت تربية الأطفال، أياً كان جنسهم، أكثر تعقيداً في عالم يمتلئ بالضغوط والمقارنات والتوقعات؟
وبينما تشير بعض الدراسات إلى أن آباء البنات قد يواجهون عبئاً عاطفياً أكبر، يبقى المؤكد أن الأبوة والأمومة اليوم تحتاجان إلى دعم ووعي ومساندة، أكثر من حاجتهما إلى المقارنات والأحكام الجاهزة.
اقرأ أيضاً
بيتك مرآة لعقلك.. كيف تكشف ’الفوضى المنزلية‘ أسرار ضغطك النفسي وإرهاقك الذهني؟
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..
“دبلوماسية التربية”.. 5 عبارات سحرية لإيقاف تدخل الأجداد دون إحراجهم أمام أطفالك
استخدام الشبكات الاجتماعية… متى تتحول مواقع التواصل إلى إدمان؟

