وطن-في كثير من البيوت، يتكرر مشهد حساس يعرفه الآباء جيداً: أم أو أب يضعان حداً للطفل، أو يصححان سلوكاً، أو يشرحان قاعدة تربوية، وفجأة يتدخل الجد أو الجدة أو أحد الأعمام أو الخالات ليخفف الموقف، أو يعارض ما قيل، أو ينحاز إلى الطفل أمام والديه.
يبدو الموقف عابراً في ظاهره، لكنه يترك أثراً فورياً: ارتباك لدى الطفل، إحراج لدى الوالدين، وتوتر صامت بين الكبار. والسؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه اللحظات: كيف يمكن التعامل مع تدخل الأقارب في تربية الأبناء دون تحويل الأمر إلى أزمة عائلية مفتوحة؟
قالت مجلة “لا فيدا لوثبدا” الإسبانية، إن المعالجين الأسريين ينظرون إلى هذا النوع من المواقف باعتباره أكثر تعقيداً مما يبدو، فالمسألة لا تتعلق دائماً برغبة واضحة في إضعاف سلطة الوالدين، بل غالباً ما تكون نتيجة قلق عاطفي أو اندفاع لحماية الطفل.
لماذا يتدخل الأقارب في تربية الأطفال؟
قبل الرد بغضب أو الدخول في مواجهة مباشرة، ينصح خبراء العلاج الأسري بفهم الدافع الحقيقي وراء تصرف القريب. ففي حالات كثيرة، لا يكون الجد أو الجدة، على سبيل المثال، في حالة تحدٍّ مقصود لقرارات الوالدين، بل يتحركان من منطلق عاطفي شديد، خصوصاً عندما يريان الحفيد حزيناً أو غاضباً أو يتعرض للتوبيخ.
وبحسب ما أوردته المجلة الإسبانية، فإن بعض الأجداد يجدون صعوبة في ضبط اندفاعهم العاطفي أمام ضيق الطفل، فيتدخلون سريعاً قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة للتفكير في أثر هذا التدخل على التربية وعلى صورة الوالدين أمام الابن.
لا يعني هذا التفسير أن التصرف بلا ضرر، لكنه يغيّر طريقة التعامل معه. فالنظر إلى الأمر باعتباره محاولة متعمدة لإسقاط هيبة الأب أو الأم قد يؤدي إلى تصعيد غير ضروري، أما التعامل معه كخلل في التواصل وحدود الأدوار داخل الأسرة، فيفتح الباب أمام حلول عملية وأكثر هدوءاً.
وتشير المجلة إلى أن «نزع سلطة الوالدين أمام الأبناء لا يكون دائماً فعلاً للسيطرة، بل قد يكون في أحيان كثيرة نتيجة قلق لم يُدار بشكل صحيح». والتمييز بين الأمرين، وفق خبراء الأسرة، يحدد طبيعة التدخل المناسب.
كيف يؤثر ذلك في الطفل؟
يلتقط الأطفال التوترات بين الكبار بسرعة كبيرة. عندما يرى الطفل أحد الأقارب يعارض والديه أو يخفف قاعدة وضعاها أمامه، فإنه لا يسمع مجرد جملة عابرة، بل يستقبل عدة رسائل في الوقت نفسه.
تتمثل الرسالة الأولى قي أن القواعد قابلة للتفاوض إذا وُجد شخص أكبر أو أكثر تساهلاً. والرسالة الثانية أن سلطة الوالدين ليست نهائية. أما الرسالة الثالثة، وهي الأخطر، فهي أن الخلاف بين الكبار يمكن استخدامه للحصول على ما يريد.
وأضافت المجلة الإسبانية أن هذا التأثير قد يظهر على المدى القصير في صورة سلوكيات مثل البحث عن الشخص الأكثر تساهلاً داخل العائلة، أو محاولة استغلال اختلاف الكبار، أو صعوبة تقبل الحدود في البيت والمدرسة.
أما على المدى الطويل، فيرى المعالجون الأسريون أن غياب الاتساق بين البالغين لا يمنح الطفل راحة كما يظن البعض، بل قد يزيد شعوره بالقلق. فالطفل يحتاج في نموه إلى قواعد واضحة ومتوقعة، لا إلى سلطة متذبذبة تتغير بحسب الشخص الموجود في الغرفة.
لا تواجه القريب أمام الطفل
يتمثل أول رد فعل لدى كثير من الآباء هو تصحيح كلام القريب فوراً أمام الطفل. لكن خبراء العلاج الأسري يحذرون من أن هذه المواجهة المباشرة غالباً لا تحل المشكلة، بل تزيد التوتر وتضع الطفل في قلب خلاف بين الكبار.
من الأفضل، وفق ما نقلته المجلة، أن يكون التدخل في اللحظة نفسها قصيراً وهادئاً، من دون الدخول في نقاش. يمكن للأب أو الأم أن يقولا بنبرة محايدة: «شكراً، نحن سنتولى الأمر»، أو «نحن نتعامل مع الموقف الآن». بهذه الطريقة يستعيد الوالدان زمام الموقف دون تحويله إلى مشادة.
الفكرة هنا ليست إسكات القريب أو إحراجه، بل إعادة تثبيت السلطة الأبوية أمام الطفل بأقل قدر من التصعيد. أما النقاش الحقيقي حول الحدود، فيجب أن يحدث لاحقاً بعيداً عن الطفل وبعيداً عن حرارة اللحظة.
الحديث الخاص أكثر فاعلية من العتاب العلني
بعد انتهاء الموقف وهدوء الانفعال، تأتي المرحلة الأهم: الحديث مع القريب على انفراد. وينصح المعالجون الأسريون بأن تكون هذه المحادثة بعيدة عن الاتهام، لأن الهدف ليس الانتصار في جدال، بل الاتفاق على طريقة تعامل تحفظ مصلحة الطفل.
وبحسب المجلة الإسبانية، فإن الجمل الوصفية أكثر تأثيراً من الجمل الاتهامية. فبدلاً من قول: «أنت دائماً تناقضني أمام ابني»، يمكن القول: «عندما يتغير الكلام الذي قلته له للتو، يشعر الطفل برسائل متضاربة وهذا يربكه».
هذه الصياغة تضع التركيز على أثر السلوك في الطفل، لا على نية القريب. وكلما قل الشعور بالهجوم، زادت فرصة أن يستمع الطرف الآخر ويفهم المطلوب منه.
حدود واضحة لا تحتمل التأويل
من الأخطاء الشائعة أن يظن الأبوان أن الأقارب يفهمون تلقائياً ما هو مقبول وما هو غير مقبول في مواقف التربية. لكن الحدود العامة مثل «أرجو أن تحترم طريقتي في تربية ابني» قد تفسر بطرق مختلفة.
يجب الحدود الفعالة أن تكون محددة. على سبيل المثال: «عندما أكون في موقف تصحيح أو توجيه لابني، أحتاج ألا يتدخل أحد في تلك اللحظة. وإذا كان لديك اعتراض، يمكن أن نتحدث أنا وأنت لاحقاً».
وكشفت المجلة أن هذا النوع من العبارات لا يحمل عدوانية ولا قلة احترام، بل يزيل الغموض ويقدم بديلاً واضحاً: لا تعارض أمام الطفل، تحدث معي لاحقاً.
هل كان موقفاً عابراً أم نمطاً متكرراً؟
ليس كل تدخل من قريب يستدعي رد فعل كبيراً. فهناك فرق بين موقف عابر قد يحدث مرة وينتهي، وبين نمط متكرر يغير سلوك الطفل ويؤثر في سلطة الوالدين داخل البيت.
إذا كان الأمر حدثاً منفرداً، فقد تكفي إشارة هادئة أو ملاحظة قصيرة. أما إذا تكرر التدخل، وبدأ الطفل يستخدمه للتهرب من القواعد، فهنا يصبح من الضروري إجراء محادثة أكثر وضوحاً وربما وضع قيود على بعض مواقف الاحتكاك التربوي.
وتوضح المجلة الإسبانية أن السؤال المهم الذي يجب أن يطرحه الأبوان على نفسيهما هو: هل يتكرر هذا السلوك؟ وهل بدأ يؤثر في استجابة الطفل للحدود؟ إذا كانت الإجابة نعم، فيجب أن يكون التدخل متناسباً مع حجم المشكلة وتكرارها.
دور الزوجين: جبهة واحدة أمام الأسرة
عندما يكون القريب المتدخل من عائلة أحد الزوجين، فإن المسؤولية الأولى في وضع الحدود تقع غالباً على الطرف الذي ينتمي إليه هذا القريب. فإذا كانت المشكلة مع والدة الزوج مثلاً، فمن الأفضل أن يتولى الزوج الجزء الأكبر من الحديث، والعكس صحيح.
يرى المعالجون الأسريون أن مطالبة الشريك بمواجهة والدتك أو أخيك أو أحد أفراد عائلتك قد تزيد التوتر داخل العلاقة الزوجية بدلاً من حل المشكلة. لكن هذا لا يعني أن يتصرف كل طرف بمفرده.
وبحسب ما أوردته المجلة ، فإن الأفضل هو أن يظهر الوالدان كموقف واحد: القرار مشترك، وطريقة التربية متفق عليها، والحديث مع الأقارب ليس شكوى فردية من طرف ضد آخر، بل حماية لاتساق التربية أمام الطفل.
عندما يكون التدخل عرضاً لمشكلة أعمق
في بعض العائلات، لا يكون تدخل الأقارب مجرد موقف عابر، بل قد يكون انعكاساً لصراعات أقدم: منافسة بين الأجيال، شعور أحد الأقارب بأن دوره تراجع بعد قدوم الطفل، خلافات عميقة حول أساليب التربية، أو رغبة غير معلنة في الاحتفاظ بمكانة القرار داخل الأسرة.
هنا لا يكون السؤال فقط: من يقرر أمام الطفل؟ بل تصبح المسألة جزءاً من شبكة أوسع من المشاعر والتوقعات القديمة داخل العائلة.
وتشير المجلة الإسبانية إلى أنه إذا تكررت المحاولات الصادقة للحوار ولم يحدث أي تغيير، فقد يكون اللجوء إلى جلسة أو جلستين من العلاج الأسري خياراً مفيداً. وليس ذلك علامة على أزمة كبرى، بل مساحة محايدة تساعد أفراد الأسرة على مناقشة ما يصعب عليهم قوله وحدهم.
ما الذي يجب تجنبه؟
من المهم ألا يُستخدم الطفل كوسيط أو شاهد في الخلاف. أي نقاش حول تدخل الأقارب في التربية يجب أن يبقى بين البالغين، لا أمام الطفل ولا من خلاله.
كذلك لا ينصح بتراكم المواقف دون حديث. فالصمت الطويل قد يصنع استياءً داخلياً ينفجر لاحقاً في توقيت خاطئ وبحدة أكبر من حجم الموقف الأصلي.
ومن الأخطاء أيضاً تعميم المشكلة على العلاقة كلها. فتدخل أحد الأقارب بشكل متكرر لا يعني بالضرورة أنه لا يحب الطفل أو لا يحترم الأسرة، لكنه يعني وجود خلل في الحدود يحتاج إلى معالجة واضحة.
كما أن انتظار الزمن ليحل الأمر وحده غالباً لا ينجح. فالسلوكيات المتكررة، إذا لم تُناقش بوضوح، تميل إلى الاستمرار أو التصاعد، لا إلى الاختفاء.
التربية تحتاج اتساقاً لا صراعاً
يؤكد خبراء العلاج الأسري، وفق ما نقلته المجلة الإسبانية، أن الهدف ليس إثبات من يملك الرأي الصحيح في التربية، بل توفير بيئة يشعر فيها الطفل بوجود قواعد واضحة وشخصيات بالغة متماسكة وقادرة على التواصل باحترام.
هذا يتطلب أحياناً أحاديث غير مريحة مع أشخاص نحبهم، ووضع حدود مع أفراد قريبين منّا، والقبول بأن بعض الأقارب لن يغيّروا سلوكهم بسرعة.
لكن وضوح التوقعات والثبات في تطبيقها جزء أساسي من التربية نفسها. فالطفل يتعلم من هذه المواقف أن الحدود حقيقية، وأن الكبار يمكنهم الاختلاف دون خصام مدمر، وأن الحب والاحترام لا يعنيان غياب الخلاف، بل القدرة على إدارته بطريقة ناضجة.
اقرأ أيضاً
هل السعادة في منتصف العمر وهمٌ علمي؟ دراسات جديدة تعيد رسم خريطة الرضا عبر مراحل الحياة
استخدام الشبكات الاجتماعية… متى تتحول مواقع التواصل إلى إدمان؟

