وطن-في توقيت بالغ الحساسية، ومع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، عادت قضية القس الصيني المعتقل عزرا جين إلى الواجهة، بعدما أعربت ابنته غريس دريكسل عن أملها في أن يسهم التدخل الأميركي المباشر في إنهاء معاناة عائلتها، وإطلاق سراح والدها المحتجز منذ أشهر ضمن حملة واسعة طالت قيادات كنسية مسيحية في الصين.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” الأميركية إن غريس دريكسل، وهي حامل في طفلها الثالث، تحدثت من واشنطن قبل أسابيع قليلة من ولادتها عن والدها، القس عزرا جين، الذي لا يعرفه أطفالها إلا من بعيد، وعن أملها في أن يتمكن الرئيس ترامب من طرح قضيته مباشرة خلال اجتماعاته مع شي في العاصمة الصينية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن القس عزرا جين أمضى الأشهر السبعة الماضية رهن الاحتجاز في الصين إلى جانب عشرات من قادة الكنائس المسيحية، في ما يصفه ناشطون ومدافعون عن حرية الدين بأنه واحد من أكبر حملات التضييق على الكنائس البروتستانتية غير الرسمية خلال السنوات الأخيرة.
ترامب يتعهد بطرح قضية القس عزرا جين مع شي
القضية اكتسبت زخماً إضافياً بعدما أكد ترامب، رداً على سؤال أحد الصحفيين بشأن ما إذا كان سيبحث ملف القس المعتقل خلال زيارته إلى بكين، قائلاً: “سأطرح الأمر”.
ونقلت “فوكس نيوز” عن غريس دريكسل قولها إن مجرد معرفة الرئيس الأميركي باسم والدها وذكر قضيته أمام الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني يمثل “شرفاً عظيماً” لعائلتها، مضيفة أن الأمر يمنحهم لحظة نادرة من الأمل بعد سنوات طويلة من الانفصال والقلق.
كما نقلت الصحيفة عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، قولها إن “لا يوجد مناصر أكبر للحرية الدينية حول العالم من الرئيس ترامب”، في إشارة إلى رغبة الإدارة الأميركية في إبقاء ملف الحريات الدينية ضمن أجندة محادثاتها مع بكين.
وتأتي هذه التطورات بينما يعقد ترامب وشي لقاءات في بكين تتناول، بحسب تقارير أميركية، ملفات متعددة من بينها التوترات التجارية، والصراع الإيراني، ووضع تايوان، إضافة إلى ترتيبات جديدة تخص التعاون والرقابة الاقتصادية والذكاء الاصطناعي بين البلدين.
عائلة مشتتة منذ إغلاق كنيسة صهيون في بكين
تقول دريكسل إن معاناة عائلتها لم تبدأ مع اعتقال والدها قبل سبعة أشهر، بل تعود إلى سنوات أقدم. فقد اضطرت والدتها وإخوتها الأصغر إلى مغادرة الصين عام 2018 بعد أن أغلقت السلطات الصينية المقر الفعلي لكنيسة صهيون في بكين، وهي واحدة من أكبر الكنائس البروتستانتية المستقلة في البلاد.
وأضافت دريكسل، في حديثها إلى فوكس نيوز ديجيتال، أن العائلة خشيت في ذلك الوقت أن تصبح هدفاً إضافياً في حملة التضييق المتزايدة على المسيحيين، بينما قرر والدها البقاء مع جماعته الكنسية رغم الفرص التي كانت متاحة أمامه لمغادرة البلاد.
وقالت: “كان لدى والدي في الحقيقة العديد من الفرص للتقدم للحصول على البطاقة الخضراء، لكنه كان يشعر بأن دعوته في الصين”، مؤكدة أنها لم تر والدها وجهاً لوجه منذ عام 2020.
وبينما تستعد لاستقبال طفلها الثالث، تقول دريكسل إن أمنيتها الكبرى هي أن يجتمع والدها بأسرته، وأن يتمكن أطفالها من معرفته عن قرب. وأضافت: “نحن نريد حقاً أن يعيش أطفالنا تجربة التعلم من جدهم والتعرف إليه”.
“ليس معارضاً سياسياً”.. بل قس أراد كنيسة مستقلة
حرصت غريس دريكسل على تقديم والدها بعيداً عن أي توصيف سياسي، مؤكدة أنه ليس معارضاً أو ناشطاً حزبياً، بل قس مسيحي أراد ممارسة إيمانه خارج هيمنة الدولة والحزب الشيوعي.
وقالت للصحيفة الأميركية إن والدها، مثل كثير من المسيحيين، كان يؤمن بأن الكنيسة يجب أن تخدم إلهاً واحداً فقط، وأن تبقى رسالتها دينية وروحية، لا خاضعة لتوجيهات سياسية.
وبحسب ما نقلته “فوكس نيوز”، فإن كنيسة صهيون كانت كنيسة مستقلة عن الرقابة الحكومية، ومرتبطة بتعاليم الكتاب المقدس وخدمة المجتمع المحلي. وقالت دريكسل إن الكنيسة كانت تساعد المجتمع المحيط بها، وتدعو إلى محبة الجار ومحبة الله.
لكنها شددت في الوقت نفسه على أن والدها، بعيداً عن دوره كقس، كان رجلاً هادئاً ولطيفاً. وأضافت: “في النهاية، أعرف والدي كرجل شديد اللطف والوداعة. لم يكن صدامياً بطبيعته، كان يحب كل من حوله”.
وتابعت أن والدها لم يكن معتاداً على انتقاد الآخرين، حتى أبناءه أثناء تربيتهم، قبل أن تضيف متأثرة أن هذا الرجل “الطيب والهادئ” بات الآن في السجن “فقط لأنه كان يقود كنيسة”.
تقارير عن تقييده وحلق رأسه وصعوبة حصوله على الدواء
كشفت دريكسل أن أقارب العائلة علموا بأن والدها تعرض للتقييد بالأصفاد، وتم حلق رأسه، كما يواجه صعوبات في الحصول على أدويته أثناء الاحتجاز.
وقالت “فوكس نيوز”، إن هذه التفاصيل زادت من قلق الأسرة على الوضع الصحي والإنساني للقس عزرا جين، خاصة في ظل القيود المفروضة على التواصل والمعلومات المتعلقة بالمعتقلين في قضايا دينية داخل الصين.
وترى دريكسل أن ما جرى مع والدها ليس حالة منفردة، بل جزء من حملة أوسع ضد الكنائس المستقلة في الصين، خاصة تلك التي ترفض الخضوع الكامل للأطر الدينية التي تقرها الدولة.
بداية الضغوط: كاميرات تعرّف على الوجوه داخل الكنيسة
وفق رواية دريكسل، بدأت الضغوط على كنيسة صهيون قبل سنوات من اعتقال والدها، وتحديداً خلال عامي 2016 و2017، بعد أن أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ صياغة اللوائح الدينية، ودفع بسياسة تعرف باسم “تصيين الدين”، وهي سياسة يقول منتقدوها إنها تهدف إلى إخضاع الجماعات الدينية لأيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني.
وأضافت دريكسل، كما نقلت فوكس نيوز، أن السلطات طلبت في البداية من الكنيسة تركيب كاميرات للتعرف على الوجوه داخل قاعة العبادة لمراقبة المصلين. وردت الكنيسة، بحسب قولها، بأن خدماتها مفتوحة للجميع، وأن بإمكان السلطات حضورها ومشاهدتها في أي وقت، لكنها رفضت فرض مستوى إضافي من المراقبة على أعضائها.
بعد رفض الكنيسة، قالت دريكسل إن السلطات ركبت كاميرات مراقبة في مدخل المبنى، ثم بدأت حملة ضغط ممنهجة على أعضاء الكنيسة الذين كانوا يحضرون قداس الأحد.
وأوضحت أن بعض المصلين فقدوا وظائفهم، وآخرين أُجبروا على مغادرة شققهم، بينما تعرضت عائلات لضغوط من خلال تعليم أطفالهم أو حتى معاشات تقاعد آبائهم، مضيفة أن “كل ذلك كان ممكناً تحت سلطة الحزب الشيوعي الصيني إذا أراد منك التوقف عن فعل شيء ما”.
إغلاق المقر وانتقال الصلاة إلى الإنترنت والمنازل
في نهاية المطاف، صادرت السلطات ممتلكات الكنيسة وأغلقت مقر العبادة الفعلي. وبعد ذلك، نقل القس عزرا جين الخدمات الدينية إلى الإنترنت وإلى تجمعات منزلية صغيرة، وهو ما استخدمته السلطات لاحقاً لتوجيه اتهامات إلى قادة الكنيسة تتعلق بـ”الاستخدام غير القانوني لشبكات المعلومات”.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز”، فإن هذه الاتهامات ارتبطت تحديداً بالنشاطات الدينية التي واصلتها الكنيسة عبر المنصات الإلكترونية والتجمعات اللامركزية، بعد إغلاق مقرها في بكين.
وتقول دريكسل إن قضية والدها ليست سوى جزء من مشهد أوسع، إذ تشير إلى وجود عدد كبير من القساوسة وقادة الكنائس المحتجزين أو المسجونين في الصين. وأضافت: “هناك كثير من القساوسة وقادة الكنائس والكنائس يتعرضون للاضطهاد في الصين اليوم. نعلم أن هناك مئات القساوسة إما في السجون أو قيد الاحتجاز”.
واعتبرت أن المرحلة الحالية “حرجة للغاية” بالنسبة للمسيحيين في الصين، ووصفتها بأنها “محبطة ومخيفة” لكثير من المؤمنين هناك.
اضطهاد ديني أوسع يطال مسيحيين ومسلمين وبوذيين وفالون غونغ
لم تقتصر الإشارات إلى ملف حرية الدين في الصين على قضية كنيسة صهيون. فقد ذكرت فوكس نيوز أن حملة الاضطهاد الأوسع ضد المسيحيين، ومسلمي الإيغور، والبوذيين التبتيين، وممارسي الفالون غونغ، جرى توثيقها أيضاً في كتاب حديث بعنوان “حرب الصين على الإيمان” للسفير الأميركي السابق المتجول للحريات الدينية الدولية سام براونباك.
ويتناول الكتاب، بحسب الصحيفة، قصص مؤمنين تعرضوا للسجن والتعذيب والمراقبة بسبب ممارسة شعائرهم الدينية خارج المؤسسات المعتمدة من الدولة، كما يجادل بأن الحزب الشيوعي الصيني بات ينظر بشكل متزايد إلى الإيمان المستقل بوصفه تهديداً مباشراً لسلطته.
وفي هذا السياق، ترى دريكسل أن ذكر ترامب لاسم والدها لا يمثل مجرد خطوة دبلوماسية، بل رسالة إنسانية وسياسية بالغة الأهمية. وقالت: “نأمل، بينما يلتقي الزعيمان، أن تلين القلوب، وأن يتم إطلاق سراح والدي والسماح له بالقدوم إلى الولايات المتحدة”.
السفارة الصينية ترد: حرية الدين مكفولة وفق القانون
في المقابل، نقلت “فوكس نيوز” عن المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، ليو بينغيو، قوله إن الحكومة الصينية تحمي “حرية الاعتقاد الديني وفقاً للقانون”، مشيراً إلى أن أبناء مختلف القوميات في الصين يتمتعون بحرية دينية.
واستند المتحدث الصيني إلى أرقام رسمية تفيد بوجود نحو 200 مليون مؤمن ديني في الصين، وأكثر من 380 ألف رجل دين، ونحو 5500 منظمة دينية، إضافة إلى أكثر من 140 ألف مكان عبادة مسجل.
وقال ليو إن بكين تنظم الشؤون الدينية التي تمس “المصالح الوطنية والمصلحة العامة”، وترفض ما تصفه بالأنشطة غير القانونية أو الإجرامية التي تُمارس تحت غطاء الدين.
كما اتهم المتحدث الصيني دولاً أجنبية ووسائل إعلام بالتدخل في الشؤون الداخلية للصين تحت ذريعة حرية الدين، داعياً الصحفيين إلى “احترام الحقائق” والتوقف عما وصفه بـ”مهاجمة وتشويه” السياسات الدينية الصينية وسجل الحريات الدينية في البلاد.
وبين رواية العائلة والمنظمات الحقوقية من جهة، وموقف بكين الرسمي من جهة أخرى، تبقى قضية القس عزرا جين اختباراً جديداً لمدى حضور ملف الحرية الدينية في محادثات ترامب وشي، ولقدرة الضغوط الدبلوماسية على تغيير مصير رجل دين تقول ابنته إن كل ما تريده هو أن يعود إلى عائلته، وأن يتعرف أحفاده إلى جدهم أخيراً.
اقرأ أيضاً
قصة وانغ تشونيان: 70 عاماً من الصمود في وجه التعذيب.. كيف دمر “الاضطهاد الصيني” عائلتها؟
قمة ترامب وشي: هل تنجح “ضغوط النفط” في فك الارتباط بين بكين وطهران وموسكو؟
تمهيد لقمة ترامب وشي: وفد “الشيوخ” في بكين لإنقاذ صفقات بوينغ وتجاوز “الخط الأحمر” في تايوان

