وطن-في شهادة إنسانية قاسية تكشف جانباً من ملف الاضطهاد الديني في الصين، روت وانغ تشونيان، وهي ممارسة صينية لحركة فالون غونغ تبلغ من العمر 70 عاماً، تفاصيل سنوات طويلة قالت إنها عاشتها بين المراقبة والسجن والتعذيب، بعد حملة شنّها الحزب الشيوعي الصيني على الحركة الروحية منذ أواخر التسعينيات.
وقالت شبكة “فوكس نيوز ديجيتال“، في تقرير أعدته الصحفية إفرت لاختر، إن وانغ ظهرت خلال مقابلة حصرية وهي تحمل صورة تضم 21 وجهاً مبتسماً لأشخاص عرفتهم داخل السجون الصينية أو خلال سنوات الملاحقة؛ بينهم زوجان، ومحاضر جامعي، ومهندس شاب، وأصدقاء قالت إن بعضهم ماتوا أثناء الاحتجاز، وبعضهم بعد سنوات من التعذيب، فيما اختفى آخرون داخل المنظومة الأمنية الصينية ولم يعودوا كما كانوا.
وقالت وانغ، بحسب ما نقلته “فوكس نيوز ديجيتال”: «أكثر من 25 من أصدقائي ماتوا خلال هذا الاضطهاد. لا أملك صوراً إلا لـ21 منهم». وأضافت بصوت متأثر أن حياتها تفككت على مدى أكثر من عقدين، بعدما خسرت تجارتها ومنزلها واستقرار عائلتها، ثم قضت سبع سنوات في السجن.
وتؤكد وانغ أن الخسارة الأشد كانت وفاة زوجها يو ييفو، الذي قالت إنه دفع ثمن تمسكه بحمايتها وعدم كشف مكان اختبائها للشرطة. ونقلت فوكس نيوز عنها قولها: «زوجي الحبيب مات بسبب الاضطهاد».
وتأتي شهادة وانغ في توقيت حساس، إذ يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب التقرير، لزيارة الصين الأسبوع المقبل ولقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في محادثات يُتوقع أن تهيمن عليها ملفات التجارة والأمن والتوترات الإقليمية. غير أن التقرير أشار إلى أن خلف هذه الملفات السياسية الكبرى تقف قضية أخرى أقل حضوراً في العناوين، وهي حملة بكين الممتدة منذ عقود ضد جماعات دينية وروحية تعدّها السلطات تهديداً لسلطة الحزب الشيوعي.
وقال السفير الأمريكي السابق للحريات الدينية الدولية سام براونباك لـفوكس نيوز ديجيتال إن قصة وانغ تعكس صراعاً أوسع داخل الصين، مضيفاً: «إما أن يغيّر العالم الصين، أو ستغيّر الصين العالم». وقد وثّق براونباك قصة وانغ وتجارب ناجين آخرين في كتابه الجديد «حرب الصين على الإيمان»، معتبراً أن الشهادات الشخصية تكشف واقع الاضطهاد بصورة قد تكون أقوى من الأرقام والإحصاءات.
وأضاف براونباك، بحسب ما أوردته “فوكس نيوز”، أن «القصص أكثر قوة من البيانات»، موضحاً أن كتابه يتناول ما يصفه بنظام متطور من المراقبة والقمع يستهدف المسيحيين، ومسلمي الإيغور، والبوذيين التبتيين، وممارسي فالون غونغ. ويرى أن الحزب الشيوعي الصيني ينظر إلى الجماعات الدينية المستقلة باعتبارها تهديداً مباشراً لسلطته.
وقال براونباك في المقابلة ذاتها: «إنهم يخافون من الحرية الدينية أكثر من أي شيء آخر، أكثر من حاملات الطائرات، وأكثر من الأسلحة النووية، لأنهم يعتقدون أنها أكبر تهديد للنظام».
وبحسب رواية وانغ التي نقلتها فوكس نيوز ديجيتال، بدأت قصتها في أواخر التسعينيات، حين كانت تعاني أرقاً شديداً يجعلها لا تنام أحياناً سوى ساعتين أو ثلاث ساعات في الليلة. وفي تلك الفترة، عرّفتها شقيقتها الكبرى على حركة فالون غونغ، المعروفة أيضاً باسم فالون دافا، وهي ممارسة روحية تقول وانغ إنها تقوم على التأمل وتعاليم مرتبطة بـ«الصدق والرحمة والتسامح».
وانتشرت حركة فالون غونغ بسرعة داخل الصين خلال تسعينيات القرن الماضي، وجذبت عشرات الملايين من الأتباع، قبل أن تحظرها بكين عام 1999، معتبرة إياها تهديداً لسيطرة الحزب الشيوعي. وتقول وانغ إن ممارسة فالون غونغ حسّنت حالتها الجسدية والنفسية، مضيفة: «كان عملي مزدهراً، وعائلتي سعيدة، وحياتي مثالية».
كانت وانغ، وفق التقرير، تملك شركة ناجحة لبيع معدات الإنتاج الكيميائي، وأصبحت ميسورة الحال وفق المعايير الصينية. لكنها بعد بدء حملة القمع شعرت بأنها مضطرة للدفاع علناً عن فالون غونغ في مواجهة ما كانت تعتبره «أكاذيب حكومية». واشترت مطبعة وبدأت في توزيع منشورات، لتبدأ بعدها مرحلة المراقبة والملاحقة.
وقالت وانغ لـ”فوكس نيوز ديجيتال”: «المباني التي كنت أعمل فيها كانت تحت مراقبة مستمرة. غادرت هرباً، وكنت أخاف العودة إلى المنزل».
وعاشت وانغ سنوات في الاختباء، مستخدمة بطاقات هاتف مسبقة الدفع وهواتف عامة لترتيب لقاءات سرية مع زوجها يو ييفو في مطاعم ومقاهٍ وفنادق داخل المدينة. وحاول الزوجان، لفترة قصيرة، الحفاظ على قدر من الحياة الطبيعية رغم الضغوط الأمنية.
ولم يكن يو ييفو، بحسب رواية زوجته، من ممارسي فالون غونغ، لكن الشرطة ضغطت عليه مراراً لكشف مكان اختباء وانغ. وتقول إنه رفض ذلك دائماً. وفي عام 2002، انقطع الاتصال بينهما، وحين عادت إلى المنزل وجدته فاقداً للوعي. لم يتمكن الأطباء من إنقاذه. وقالت وانغ باكية: «لقد حمَاني».
كان زوجها يبلغ 49 عاماً عند وفاته، بينما كانت ابنتهما لا تزال طالبة في الجامعة. وتقول وانغ إن المأساة امتدت بعد ذلك إلى باقي أفراد العائلة؛ إذ توقفت حماتها عن الطعام ثم أصيبت بالشلل، فيما توفي حماها حزناً، كما تعرضت شقيقاتها للسجن والتعذيب.
ثم جاء دور وانغ نفسها. ووفق ما روته لـفوكس نيوز ديجيتال، فقد تعرضت خلال سجنها لأعمال شاقة قسرية، وحرمان من النوم، واعتداءات جسدية متكررة. وفي إحدى المرات، قالت إن التعذيب كان شديداً لدرجة أنها فقدت الوعي ثلاث مرات في يوم واحد.
لكن أكثر ما لا يزال يطاردها، كما تقول، هو ما حدث قبيل الإفراج عنها. فقد ذكرت وانغ أن السلطات أجرت لها فحوصات طبية وتحاليل دم لم تفهم سببها في ذلك الوقت. وقالت إن بعض السجينات أخبرنها حينها بأن الحكومة «تطمئن» على سجناء فالون غونغ قبل إطلاق سراحهم، لكنها لاحقاً، وبعد سماعها اتهامات عن حصاد الأعضاء القسري من معتقلي فالون غونغ، بدأت تخشى أن تكون تلك الفحوصات مرتبطة بهذا الملف. وأضافت: «شعرت بالرعب».
وتعيش وانغ اليوم في الولايات المتحدة، بعدما غادرت الصين عام 2013، ثم انتقلت عبر تايلاند قبل وصولها إلى أمريكا عام 2015. ورغم مرور سنوات على خروجها من الصين، تقول إن الخسائر لا تزال حاضرة في حياتها كأنها حدثت بالأمس.
وقالت وانغ، بحسب “فوكس نيوز”، إنها تريد أن يعرف العالم أن «هناك ملايين العائلات في الصين مثل عائلتنا، تعرضت للاضطهاد على يد الحزب الشيوعي الصيني».
في المقابل، نفت السفارة الصينية في واشنطن هذه الاتهامات. وقال المتحدث باسم السفارة الصينية ليو بينغيو، في بيان لـ”فوكس نيوز ديجيتال”إن ما ورد «ليس سوى افتراءات خبيثة وأكاذيب مثيرة». وأضاف أن «فالون غونغ منظمة طائفية معادية للإنسانية والعلم والمجتمع، ومعادية للدين، وتعرّض الجمهور للخطر، وتمثل ورماً خبيثاً داخل المجتمع»، على حد تعبيره.
ودافع ليو عن إجراءات بكين، قائلاً إن «الحكومة الصينية حظرت طائفة فالون غونغ وفقاً للقانون، وبذلك حمت حقوق الإنسان والحريات الأساسية للغالبية العظمى من الشعب الصيني».
وتبقى شهادة وانغ، كما عرضتها “فوكس نيوز ديجيتال”، ضمن سياق كتاب سام براونباك الجديد، جزءاً من جدل دولي متصاعد حول ملف الحريات الدينية في الصين، بين اتهامات غربية ومنظمات حقوقية بوجود قمع ممنهج، ونفي صيني رسمي يؤكد أن الإجراءات تستهدف ما تصفه بكين بـ«المنظمات الخارجة عن القانون».
اقرأ المزيد
تمهيد لقمة ترامب وشي: وفد “الشيوخ” في بكين لإنقاذ صفقات بوينغ وتجاوز “الخط الأحمر” في تايوان

