وطن-في تحول سياسي وأمني غير مسبوق، تتجه أوروبا نحو إعادة رسم سياستها الخاصة بالهجرة واللجوء، عبر مشروع جديد يقوم على نقل المهاجرين وطالبي اللجوء إلى دول خارج القارة الأوروبية، في خطوة أثارت مخاوف متزايدة من تحويل عدد من الدول العربية والإفريقية إلى مراكز احتجاز وترحيل دائمة للمهاجرين غير النظاميين.
بدأ الملف الذي كان يُناقش لسنوات داخل الأوساط اليمينية الأوروبية باعتباره “حلاً جذرياً” لأزمة الهجرة، يتحول تدريجياً إلى سياسة رسمية مدعومة باتفاقات وتحركات حكومية متسارعة، وسط تصاعد الضغوط السياسية والشعبية على الحكومات الأوروبية بسبب ملف الحدود واللاجئين.
اتفاق أوروبي جديد يفتح الباب
بحسب تقارير أوروبية متداولة، وقّعت بريطانيا إلى جانب 45 دولة أوروبية اتفاقاً يمنح الحكومات صلاحيات أوسع للتعامل مع الهجرة غير النظامية، تحت شعارات مثل “حماية الحدود” و”مكافحة شبكات التهريب”.
لكن خلف هذه العناوين، يظهر توجه أكثر حساسية يتمثل في إنشاء مراكز خارج أوروبا لاستقبال المهاجرين المرحّلين، سواء قبل البت النهائي في طلبات اللجوء أو بعد رفضها.
ويستند هذا التوجه إلى النموذج الإيطالي – الألباني، الذي بدأت روما بموجبه إنشاء مراكز احتجاز خارج أراضيها لاستقبال المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر المتوسط، في خطوة اعتُبرت سابقة قد تتوسع لاحقاً إلى دول أخرى.
دول عربية وإفريقية على الطاولة
تحدثت التقارير المتداولة داخل الأوساط الأوروبية والحقوقية عن قائمة دول يجري النقاش معها أو حولها لاستقبال المهاجرين المرحّلين، من بينها تونس، ليبيا، مصر، موريتانيا، رواندا، السنغال، أوغندا وأوزبكستان.
ويثير طرح هذه الدول تحديداً تساؤلات كبيرة، خصوصاً أنها تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية أو أمنية أو ضغوط اجتماعية، فيما تخشى منظمات حقوقية من أن تتحول إلى “مناطق عازلة” تستخدمها أوروبا لإبعاد ملف الهجرة عن حدودها المباشرة.
ويرى مراقبون أن أوروبا تحاول عملياً “تصدير أزمة الهجرة” إلى دول الجنوب، عبر تحويلها إلى منصات احتجاز وانتظار طويلة الأمد للمهاجرين غير المرغوب فيهم داخل القارة الأوروبية.
مخاوف حقوقية متزايدة
أكثر ما أثار الجدل في المشروع الأوروبي الجديد، هو الحديث عن منح الحكومات الأوروبية هامشاً أوسع لترحيل مهاجرين حتى إلى دول قد يواجهون فيها “معاملة غير إنسانية أو مهينة”، مع تقليص قدرة المحاكم الأوروبية على تعطيل قرارات الترحيل بحجة حقوق الإنسان.
هذا التطور دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من أن أوروبا تعيد صياغة قوانينها تدريجياً لمنح الأولوية للأمن والهجرة على حساب المبادئ الحقوقية التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حامية لها.
وترى تلك المنظمات أن إنشاء مراكز احتجاز خارج أوروبا قد يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة، خاصة في الدول التي تعاني ضعف الرقابة القضائية أو أوضاعاً سياسية وأمنية هشة.
صعود اليمين المتطرف يغيّر المشهد
يأتي هذا التحول في وقت يتصاعد فيه نفوذ اليمين المتطرف في أوروبا، حيث تحوّل ملف الهجرة إلى أحد أكثر الملفات تأثيراً في الانتخابات والسياسات الداخلية.
وتواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً متزايدة لإظهار مواقف أكثر صرامة تجاه الهجرة، ما دفع عدداً منها إلى تبني إجراءات كانت تعتبر قبل سنوات “متطرفة” أو غير قابلة للتطبيق.
ويرى محللون أن الخوف من فقدان الأصوات لصالح الأحزاب اليمينية المتشددة يدفع الحكومات التقليدية إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في ملف اللجوء والحدود.
تونس وليبيا ومصر.. لماذا هذه الدول؟
تُعد تونس وليبيا ومصر من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين المتجهين نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، وهو ما يجعلها في قلب أي استراتيجية أوروبية جديدة تتعلق بالهجرة.
لكن منتقدين يرون أن تحويل هذه الدول إلى “مراكز استقبال دائمة” قد يخلق أزمات أمنية واجتماعية جديدة داخلها، خاصة مع هشاشة الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتوترات الاجتماعية.
كما يخشى مراقبون من أن يؤدي ذلك إلى خلق مخيمات ضخمة وطويلة الأمد للمهاجرين، بما يشبه “مناطق انتظار بشرية” خارج الحدود الأوروبية.
أوروبا بين الأمن وحقوق الإنسان
تكشف هذه التحركات عن تحوّل عميق في فلسفة إدارة الهجرة داخل أوروبا. فبعد سنوات من الخطاب المرتبط بحقوق الإنسان واستقبال اللاجئين، يبدو أن الأولوية انتقلت اليوم إلى حماية الحدود وتقليص أعداد الوافدين بأي وسيلة ممكنة.
وفي ظل استمرار الحروب والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى الهجرة، تبدو أوروبا أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على أمنها الداخلي واحترام التزاماتها الحقوقية الدولية.
لكن السؤال الذي يزداد حضوراً اليوم ليس فقط: كيف ستمنع أوروبا الهجرة؟ بل أيضاً: إلى أي مدى يمكن أن تذهب الحكومات الأوروبية في التضحية بمبادئها، حتى تُبقي المهاجرين بعيداً عن حدودها؟
اقرأ المزيد
سبت مشحون في لندن.. استنفار أمني “غير مسبوق” مع تزامن مسيرة النكبة 78 وتظاهرة اليمين المتطرف

