وطن-في حادثة هزّت الجالية المسلمة في الولايات المتحدة، قُتل ثلاثة أشخاص، الاثنين، في إطلاق نار استهدف محيط المركز الإسلامي في سان دييغو بولاية كاليفورنيا، بينما كان مئات الأطفال داخل مدرسة إسلامية تابعة للمركز. وأعادت الجريمة إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول الإسلاموفوبيا في أمريكا، ودور الخطاب السياسي والإعلامي اليميني في التحريض ضد المسلمين ودور العبادة الإسلامية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن منظمات إسلامية أمريكية حمّلت ما وصفته بـ«تطبيع خطاب الكراهية ضد المسلمين» مسؤولية خلق مناخ يسمح بوقوع مثل هذه الهجمات، مشيرة إلى أن التحريض لم يعد مقتصراً على أطراف هامشية، بل بات يصدر عن نواب وسياسيين وشخصيات مؤثرة في التيار اليميني.
منظمات إسلامية: الكراهية ضد المسلمين خرجت عن السيطرة
أعلن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية «كير» أنه «يشعر بصدمة عميقة، لكنه ليس متفاجئاً على الإطلاق»، معتبراً أن «الكراهية ضد المسلمين الأمريكيين خرجت تماماً عن السيطرة». وأضاف المجلس، في بيان نقلته صحيفة ميدل إيست آي، أن سياسيين عديدين أمضوا العام الماضي في الترويج لخطاب يصف المسلمين العاديين بأنهم تهديد، ويدعو إلى إغلاق المساجد والمدارس الإسلامية، بل وطرد المسلمين من الولايات المتحدة.
وأشار المجلس إلى أن الجمهوريين في مجلس النواب عقدوا، الأسبوع الماضي، جلسة في الكونغرس قال إنها ساهمت في «تأجيج الكراهية ضد المسلمين الأمريكيين، وضد بيوت عبادتهم، وحتى ضد الأطفال المسلمين في المدارس». ولفت البيان إلى ما يُعرف باسم التجمع الجمهوري «الخالي من الشريعة» داخل الكابيتول، والذي يضم أكثر من 60 نائباً.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، برز اسم النائب الجمهوري عن ولاية فلوريدا راندي فاين بوصفه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل بسبب خطابه المتكرر ضد المسلمين. واعتبر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية أن الهجوم على المركز الإسلامي في سان دييغو كان «متوقعاً بقدر ما هو غير مقبول»، في إشارة إلى أن التحذيرات من تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين لم تُؤخذ بالجدية الكافية.
«لم يحدث في فراغ».. تحذيرات من تصاعد الإسلاموفوبيا
من جانبه، قال مجلس الشؤون العامة الإسلامية إن إطلاق النار «لم يحدث في فراغ»، مؤكداً أنه وثّق زيادة بمقدار 11 ضعفاً في التهديدات والهجمات ضد المسلمين منذ يناير 2016. وأضاف المجلس، وفق ما نقلته ميدل إيست آي، أن شخصيات مؤثرة على الإنترنت معادية للمسلمين، من بينها لورا لومر وإيمي ميك، إضافة إلى منصات مثل «StopAntisemitism»، ساهمت لسنوات في تضخيم نظريات مؤامرة تصور المسلمين على أنهم تهديد للأمن القومي الأمريكي.
وبعد انتشار خبر الهجوم، دعت لورا لومر إلى ترحيل جميع المسلمين من الولايات المتحدة، زاعمة أن ذلك سيكون من أجل ضمان «سلامتهم». أما إيمي ميك، فقد أدلت بشهادة أمام الكونغرس الأسبوع الماضي قالت فيها إنها استعانت بحراس أمن لحمايتها من مجموعات مسلمة، ووصفت الإسلام بأنه «أيديولوجيا سياسية عدائية وشمولية تستخدم حريتنا لتدميرنا».
وكشفت الصحيفة أن منصة «StopAntisemitism» سبق أن اتهمت زوجة إمام مسجد سان دييغو بأنها «معادية لإسرائيل»، وهو ما اعتبرته منظمات إسلامية جزءاً من حملة أوسع لشيطنة القيادات الإسلامية في الولايات المتحدة وربطها باتهامات سياسية وأمنية.
إدانات واسعة وتحذيرات من استهداف المساجد
أدانت منظمة «جي ستريت»، وهي جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل ومحسوبة على التيار الديمقراطي، الهجوم في منشور على منصة «إكس»، قائلة إن «القلوب تنفطر على ذوي الضحايا وعلى مشاهد الأطفال وهم يُقادون إلى أماكن آمنة». وأضافت: «علينا مواجهة الإسلاموفوبيا بوضوح وبشكل عاجل ومن دون تردد».
كما حذرت منظمة «مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين» من أن «أي مجتمع لا ينبغي أن يعيش الخوف على سلامته أثناء الصلاة أو التعليم أو التعلم»، مؤكدة أن الهجوم على مسجد هو هجوم على «كل من يؤمن بمجتمع عادل وشامل وسلمي». وبحسب صحيفة ميدل إيست آي، أشادت المنظمة بإمام المركز الإسلامي في سان دييغو، طه حسّان، ووصفته بأنه «شريك لا غنى عنه» في العمل المجتمعي، و«منارة حقيقية للتعاطف والمشاركة المدنية وخدمة المجتمع من أجل قضية فلسطين العادلة».
وكان الإمام طه حسّان داخل شقته الواقعة فوق المسجد عندما وقع الهجوم. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عنه أنه سمع دوي الرصاص، بينما كان داخل المركز نحو 200 طفل في المدرسة الإسلامية الملحقة به.
حارس أمن أنقذ الأرواح قبل وفاته
تبيّن لاحقاً أن حارس الأمن أمين عبد الله كان على الأرجح أول الضحايا. ورغم إصابته بالرصاص، تمكن من التقاط جهاز الاتصال اللاسلكي لتحذير الموجودين داخل المركز، طالباً منهم إغلاق الأبواب والبقاء في الداخل. وبعد وقت قصير، فارق الحياة متأثراً بإصابته.
وقال قائد شرطة سان دييغو، سكوت وال، للصحفيين إن ما قام به عبد الله كان «بطولياً»، مؤكداً أنه «أنقذ بلا شك أرواحاً». وأضافت ميدل إيست آي أن الضحيتين الأخريين هما صاحب متجر وجار للمسجد، وقد أُنشئ صندوق رسمي لدعم عائلات الضحايا.
وأعلنت الشرطة أن المسلحين، وهما مراهقان، توفيا جراء إصابات بطلقات نارية أطلقاها على نفسيهما. وتتعامل السلطات مع الهجوم باعتباره جريمة كراهية محتملة، في ظل المكان المستهدف وطبيعة الجدل السياسي المحيط بالمسلمين ودور العبادة الإسلامية في الولايات المتحدة.
البيت الأبيض يعلّق عبر نائب الرئيس
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إنها تواصلت مع البيت الأبيض، الثلاثاء، لطلب تعليق على الهجوم، خصوصاً أن الرؤساء الأمريكيين يعلقون عادة على مثل هذه الاعتداءات عندما تستهدف موقعاً دينياً وتخضع للتحقيق بوصفها جريمة كراهية.
وأحال البيت الأبيض الصحيفة إلى نائب الرئيس جي دي فانس، الذي قال للصحفيين خلال إحاطة الثلاثاء إنه «سمع» بالهجوم صباح ذلك اليوم، وإنه فكر في أقارب زوجته الذين يعيشون في سان دييغو، وكذلك في مطعم قريب من المسجد اعتاد الذهاب إليه مع السيدة الثانية.
وقال فانس: «لا أعرف شخصاً واحداً يمكن أن يقول شيئاً غير ما سأقوله الآن، وهو أن هذا النوع من العنف في الولايات المتحدة الأمريكية مرفوض ومشين». وأضاف: «أدعو كل أمريكي إلى الصلاة من أجل كل من تأثروا بهذا الحادث. لا نريد أن يحدث ذلك في بلادنا، وليتغمد الله أرواح الذين فقدوا حياتهم».
انتقادات لعمدة سان دييغو وتشديد أمني في نيويورك
في سان دييغو، تعرض العمدة تود غلوريا، المعروف بدعمه القوي لإسرائيل وانتقاده السابق للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وارتباطه بمجموعات صهيونية معادية للمسلمين، لمقاطعات حادة خلال مؤتمر صحفي عقب الهجوم. ووفق ما نقلته ميدل إيست آي، صرخ أحد الحاضرين باتجاهه قائلاً إنه ساهم في تمكين «الدعاية الصهيونية»، مضيفاً أنه سيواصل ذلك «ما دام يدرّ المال على جيوبك»، بينما استمع غلوريا بصمت.
وتابع الشخص المحتج: «إخوتنا وأخواتنا المسلمون يتحدثون إليك منذ كم من الوقت؟»، في إشارة إلى شكاوى سابقة من تجاهل مخاوف الجالية المسلمة بشأن الخطاب التحريضي وتداعياته الأمنية.
وفي نيويورك، أعلن العمدة زهران ممداني، أول مسلم يتولى هذا المنصب، أنه قرر زيادة الانتشار الأمني حول المساجد «من باب الحذر الشديد». كما نشر عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين إدانات للهجوم على منصة «إكس»، لكنهم لم يقدموا مساراً واضحاً لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.
وعندما سأله المعلق مهدي حسن على منصة «إكس»، كتب السيناتور الجمهوري تيد كروز: «بالطبع كان الهجوم على المسجد مروعاً وشريراً. أدينه بشكل قاطع، كما أدين كل أشكال العنف الإجرامي الأخرى».
تقرير يحذر من حملة جمهورية منسقة ضد المسلمين
وفي خلفية هذا التصعيد، أشار تقرير صدر الشهر الماضي عن مركز دراسة الكراهية المنظمة بعنوان «تصنيع التهديد المسلم» إلى أن مسؤولين منتخبين من الحزب الجمهوري بنوا خلال عام 2025 حملة منسقة معادية للمسلمين، شملت 1111 منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي، وثمانية مشاريع قوانين، وتجمعاً في الكونغرس يضم 62 عضواً.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي” عن التقرير، فإن هذه الحملة استوفت معايير «الخطاب المرجح أن يلهم العنف». وحلل المركز منشورات 46 مسؤولاً جمهورياً منتخباً، بينهم أعضاء في الكونغرس وحكام ولايات ومدعٍ عام على مستوى ولاية.
وقال مركز دراسة الكراهية المنظمة إن مسؤولين من تكساس وفلوريدا أنتجوا 71% من المنشورات المعادية للمسلمين التي شملتها الدراسة، مشيراً إلى أن النائب راندي فاين وحاكم تكساس غريغ أبوت كانا في صدارة هذا الخطاب.
وأوضح التقرير أن ما يقرب من نصف المنشورات التي تمت دراستها استخدمت خطاب «مؤامرة الشريعة»، من خلال مفردات مثل «الغزو» و«الفتح» و«أسلمة» المجتمع. واعتبر المركز أن هذه اللغة تروّج لنظرية «الاستبدال العظيم»، عبر تصوير المسلمين على أنهم تهديد ديموغرافي يعمل على غزو حضاري متعمد.
وحذر المركز من أن هذا الخطاب مرشح للتصاعد، خصوصاً في المناطق المحافظة والولايات التي يقودها الجمهوريون، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وأضاف أن التعصب ضد المسلمين من جانب بعض المسؤولين المنتخبين يساعد في بناء سردية تعتبر المسلمين الأمريكيين ومجتمعاتهم وممارساتهم الدينية وممثليهم المنتخبين «عدواً داخلياً» يجب طرده من النسيج الاجتماعي الأمريكي.
وختم التقرير، كما نقلته “ميدل إيست آي”، بالتحذير من أن مثل هذا الخطاب غالباً ما يكون مقدمة لحملات عنف عرقي أو ديني ضد المجموعات المستهدفة بلاغياً، وهو ما يجعل هجوم سان دييغو، في نظر منظمات إسلامية وحقوقية، جرس إنذار جديداً بشأن مخاطر الإسلاموفوبيا المتصاعدة في الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
جريمة كراهية.. مقتل 3 أشخاص في إطلاق نار بالمركز الإسلامي في سان دييغو
بسبب “التصويت لفلسطين”.. حزب العمال يخسر قلاعه التاريخية ويواجه اتهامات بتطبيع الإسلاموفوبيا

