وطن-في تطور قد يزيد تعقيد مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، أصدر المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي توجيهاً يقضي بعدم إخراج مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب من أراضي البلاد، رافضاً بذلك أحد أبرز المطالب الأمريكية المطروحة ضمن محادثات السلام الجارية.
وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، نقلاً عن مصدرين إيرانيين رفيعي المستوى، فإن قرار خامنئي يعكس تشدداً واضحاً في موقف طهران من ملف البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً في ظل مساعٍ يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل والتوصل إلى اتفاق أوسع يضمن وقف التصعيد.
وذكر موقع «فيرست بوست» أن مسؤولين إسرائيليين قالوا إن ترامب طمأن إسرائيل إلى أن أي اتفاق سلام محتمل مع إيران سيتضمن بنداً يلزم طهران بنقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، باعتباره مادة أساسية يمكن استخدامها في تطوير أسلحة نووية.
في المقابل، نقلت «رويترز» عن أحد المصدرين الإيرانيين، اللذين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما لحساسية الملف، قوله إن «توجيه المرشد الأعلى، والإجماع داخل المؤسسة الحاكمة، يقضيان بعدم مغادرة مخزون اليورانيوم المخصب البلاد».
ويرى قادة إيران، وفق التقرير، أن إرسال اليورانيوم القريب من مستوى الاستخدام العسكري إلى الخارج سيضعف الموقع الاستراتيجي لطهران، ويجعلها أكثر عرضة لأي ضربات عسكرية مستقبلية قد تشنها الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وتصر إسرائيل على أن وقف الحرب لا يمكن اعتباره مكتملاً ما لم تُنزع عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية. وبحسب ما نقلته «رويترز»، يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بثلاثة شروط رئيسية: إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، ووقف دعم طهران للجماعات الحليفة في المنطقة، وتفكيك برنامجها للصواريخ الباليستية.
ورغم سريان وقف هش لإطلاق النار في الصراع الذي بدأ بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، لا تزال الجهود الدبلوماسية تراوح مكانها. فقد ردت طهران على تلك الضربات باستهداف دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، بينما امتدت المواجهات أيضاً إلى لبنان بين إسرائيل وحزب الله المدعوم من إيران.
وأضافت «رويترز» أن الجمود الدبلوماسي لا يرتبط فقط بملف اليورانيوم، بل يتداخل كذلك مع حصار أمريكي للموانئ الإيرانية، وسيطرة طهران على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات شحن النفط في العالم، وهو ما يزيد صعوبة الوساطة التي تقودها باكستان بين الطرفين.
وتسود أجواء من انعدام الثقة داخل طهران، إذ يعتقد مسؤولون إيرانيون أن وقف إطلاق النار قد يكون خطوة تكتيكية من واشنطن لخلق شعور زائف بالأمان قبل استئناف الضربات. ونقلت «رويترز» عن مصادر إيرانية أن هذا الشك بات عاملاً مؤثراً في طريقة تعامل القيادة الإيرانية مع أي مقترحات أمريكية.
وفي السياق نفسه، قال كبير مفاوضي السلام الإيرانيين محمد باقر قاليباف، الأربعاء، إن «التحركات الواضحة والخفية للعدو» تشير إلى أن الأمريكيين يستعدون لهجمات جديدة، في إشارة إلى استمرار المخاوف من انهيار التهدئة.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقال الأربعاء إن الولايات المتحدة مستعدة للمضي في شن هجمات إضافية على طهران إذا لم توافق إيران على اتفاق سلام، لكنه لمح في الوقت نفسه إلى أن واشنطن قد تنتظر بضعة أيام «للحصول على الإجابات الصحيحة».
وبحسب «فيرست بوست»، فإن المفاوضات حققت بعض التقدم في تقليص الفجوات بين الطرفين، إلا أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصاً بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير مخزون اليورانيوم المخصب، وإصرار طهران على الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم.
وتقول إيران إن أولويتها في هذه المرحلة هي الحصول على ضمانات موثوقة بإنهاء الحرب بشكل دائم، ومنع الولايات المتحدة وإسرائيل من تنفيذ هجمات مستقبلية. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن أي مفاوضات تفصيلية حول البرنامج النووي لن تبدأ إلا بعد الحصول على هذه الضمانات.
وتنفي طهران باستمرار سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية، مؤكدة أن أنشطتها النووية ذات أغراض سلمية. في المقابل، يُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، لكنها لم تؤكد أو تنفِ ذلك رسمياً، متمسكة بسياسة الغموض النووي التي تنتهجها منذ عقود.
وقبل اندلاع الحرب، كانت إيران قد أبدت استعداداً لنقل نصف مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الخارج، وهي نسبة تفوق بكثير المستويات المطلوبة للاستخدامات المدنية. غير أن مصادر إيرانية قالت لـ«رويترز» إن هذا الموقف تغير بعد تهديدات متكررة من ترامب باحتمال تنفيذ ضربات عسكرية.
ولا يزال الغموض يحيط بخيارات واشنطن المقبلة. فقد نقلت «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنه من غير الواضح ما إذا كان ترامب سيأذن بشن هجمات جديدة، أم سيسمح لإسرائيل باستئناف عملياتها العسكرية ضد إيران. وفي المقابل، حذرت طهران من «رد ساحق» في حال تعرضها لأي ضربة جديدة.
ورغم حدة الخلاف، أشار أحد المصادر الإيرانية إلى وجود «صيغ قابلة للتطبيق» لمعالجة الأزمة، من بينها حلول تقوم على تخفيف درجة تخصيب المخزون تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلاً من نقله إلى خارج إيران.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران كانت تمتلك 440.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% عندما استهدفت الضربات الإسرائيلية والأمريكية منشآت نووية في يونيو 2025. ولا يزال الوضع الحالي لهذا المخزون غير واضح حتى الآن.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في مارس، إن معظم الكميات المتبقية كانت مخزنة «بشكل رئيسي» داخل مجمع أنفاق في منشأة أصفهان، مع اعتقاد الوكالة بوجود ما يزيد قليلاً على 200 كيلوجرام هناك، إضافة إلى كميات أخرى في مجمع نطنز النووي.
وتؤكد إيران أن جزءاً من اليورانيوم عالي التخصيب مطلوب لاستخدامات طبية، وكذلك لتشغيل مفاعل أبحاث في طهران يعمل بيورانيوم مخصب بنسبة تقارب 20%.
وبين تشدد طهران وتمسك واشنطن وتل أبيب بإخراج اليورانيوم المخصب من إيران، تبدو مفاوضات السلام أمام اختبار معقد. فمصير المخزون النووي بات في قلب الأزمة، وقد يحدد ما إذا كانت التهدئة الحالية ستتحول إلى اتفاق سياسي، أم إلى جولة جديدة من التصعيد في الشرق الأوسط.
اقرأ المزيد
تأجيل اضطراري.. لِمَ أرجأ ترامب هجوم إيران بعد تحذيرات خليجية من تفجير حرب شاملة بموسم الحج؟
كواليس الاتفاق المثير.. كيف تحولت مفاوضات ترامب وإيران إلى معركة للسيطرة على مضيق هرمز؟
إلى ما وراء الشرق الأوسط.. إيران تهدد بتوسيع نطاق الحرب إذا نفذ ترامب ضربة “ساعة الصفر”

