وطن-في ذروة التصعيد المرتبط بإيران، لم تعد بعض التغطيات الإعلامية الغربية تبدو كأخبار سياسية تقليدية، بقدر ما تحولت إلى سردية متلاحقة تشبه المسلسلات الدرامية؛ شخصيات تعود فجأة إلى الواجهة، شائعات عن انهيار وشيك، قصص عن خلافة سرية، وتوقعات متكررة بتغيير النظام في طهران. وآخر فصول هذه الرواية كان إدخال اسم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد في المشهد، بوصفه ـ بشكل مفاجئ ـ أحد الأسماء المطروحة في نقاشات مستقبل إيران.
وقال موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إن تغطية الحرب المرتبطة بإيران بلغت مستوى من العبثية يقترب من حبكات المسلسلات التلفزيونية، حيث يُقال للجمهور في لحظة إن رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق والمُلقب في بعض الخطابات الساخرة بـ«الشاه الصغير»، بات على وشك العودة المنتصرة إلى طهران، ثم تظهر روايات أخرى عن مجموعات كردية «غير نظامية» تستعد لعبور الحدود العراقية دعماً لعمليات تغيير النظام، كما لو أن الزمن عاد إلى بدايات القرن العشرين لا إلى عام 2026.
روايات متغيرة وشخصيات تعود للحياة
وأضاف الموقع أن هذه السرديات لا تتوقف عند هذا الحد؛ ففي ساعات قليلة قد تنتشر أخبار عن مقتل المرشد الأعلى، ثم تظهر رواية جديدة تتحدث عن نجله وخليفته المفترض بوصفه رجل دين مشوهاً ومنتقماً، يختبئ عن الأنظار ويحكم «من الظل»، بينما يمتلك في الوقت نفسه عقارات واسعة في لندن.
وبينما تبدو القصة وكأنها استنفدت عناصر الإثارة، يظهر تطور جديد: الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، المعروف بخطابه الشعبوي ومواقفه المناهضة لإسرائيل، يُقدَّم فجأة في بعض التقارير بوصفه «البديل المفضل» لدى إسرائيل لمستقبل إيران.
استحضار فيلم «Wag the Dog»
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، فإن هذا التحول في السردية يكاد يستدعي استحضار فيلم السخرية السياسية الأمريكي الشهير «Wag the Dog» الصادر عام 1997، والذي تدور قصته حول مستشار إعلامي ومنتج في هوليوود يختلقان حرباً وهمية لصرف الأنظار عن فضيحة سياسية.
ويرى الموقع أن سرعة تبدل الروايات وطابعها المسرحي جعلاها تبتعد شيئاً فشيئاً عن شكل التقارير الإخبارية الرصينة. فمنذ أواخر فبراير، بدا المشهد الإعلامي ـ وفق التحليل ـ أقرب إلى عمل روائي متسلسل، مليء بالصراعات العائلية، والأشرار الكاريكاتيريين، والعودات الدرامية، والنهايات المفتوحة المصممة لإبقاء الجمهور في حالة توتر دائم.
إعادة تقديم أحمدي نجاد بصورة جديدة
ولعل أكثر ما يكشف تناقض هذه السردية، بحسب «ميدل إيست آي»، هو إعادة تقديم محمود أحمدي نجاد بصورة مختلفة تماماً عن تلك التي رُسمت له طوال سنوات.
فالرجل الذي صُوِّر في الخطاب الغربي والإسرائيلي باعتباره تجسيداً لـ«اللاعقلانية المروعة»، ووُصف بأنه «مسياني» وخطر حتى على الجمهورية الإسلامية نفسها، بات يُعرض فجأة، وسط تصاعد التكهنات زمن الحرب، كشخصية سياسية براغماتية يمكن التعامل معها وربما الاستفادة منها.
لكن الموقع أوضح أن هذه الصورة الجديدة لا تستند حتى الآن إلى أي تأكيد رسمي من مقربين من أحمدي نجاد أو من أي جهة تمثله، ما يجعل إعادة صياغة صورته جزءاً من لعبة أوسع تتعلق بإعادة تعريف الحلفاء والخصوم وفق الحاجة السياسية الآنية.
تاريخ طويل من إعادة تدوير الشخصيات
وأشار «ميدل إيست آي» إلى أن التاريخ الحديث مليء بأمثلة على إعادة توظيف الشخصيات السياسية وفق مصلحة اللحظة.
فصدام حسين، على سبيل المثال، عومل في الثمانينيات كشريك استراتيجي ضد إيران، ثم أُعيد تقديمه لاحقاً باعتباره تهديداً وجودياً. كما انتقل المجاهدون الأفغان من صفة «مقاتلي الحرية» إلى «المتطرفين» بعد تغير المصالح الدولية.
وفي السياق نفسه، تحول الجنرال البنمي مانويل نورييغا من حليف استخباراتي إلى «ديكتاتور مارق» عندما أصبح عبئاً سياسياً، بينما تنقلت صورة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بين «الإرهابي» و«شريك السلام» وفق مسار المفاوضات والحسابات السياسية.
حرب إعلامية موازية
لكن حالة أحمدي نجاد تبدو أكثر حساسية، وفق تحليل «ميدل إيست آي»، لأن مجرد الاشتباه في ارتباطه أو تواطئه مع قوة أجنبية تقصف مدنيين إيرانيين قد يضر بسمعته ويعرّض سلامته الشخصية للخطر داخل إيران.
ولهذا قوبلت هذه التقارير في الداخل الإيراني بقدر كبير من السخرية والتشكيك، واعتبرها كثيرون جزءاً من صناعة رواية تخدم أجندة سياسية أكثر مما تعكس وقائع حقيقية. ويأتي ذلك في وقت باتت فيه الحروب الحديثة تُخاض على جبهتين متوازيتين: جبهة الميدان العسكري، وجبهة الفضاء المعلوماتي.
«خبراء إيران» وصناعة الإثارة
وقالت «ميدل إيست آي» إن منصات التواصل الاجتماعي ودوائر التعليق السياسي ـ بما في ذلك ظهور «خبراء إيران» بشكل مفاجئ رغم أن بعضهم لا يتحدث كلمة فارسية واحدة ـ تميل إلى مكافأة التكهنات الدرامية على حساب التحليل المتزن المبني على المعرفة التاريخية والثقافية والمصادر الموثوقة.
وأضاف الموقع أن كل جهة سياسية باتت تسقط على إيران نسختها الخاصة من الواقع، سواء كانت هذه الروايات مدعومة بالتحقق أم لا.
وفي أجواء الحرب، تصبح فاعلية الرواية أحياناً أهم من اتساقها. فالهدف ليس دائماً نقل صورة دقيقة، بل خلق انطباع بوجود انهيار وشيك، وإضعاف معنويات الخصوم، وطمأنة الجمهور الداخلي بأن الأحداث تسير في الاتجاه المطلوب.
مقارنة بحرب العراق
ومن أبرز مظاهر ما وصفه الموقع بـ«السيرك الإعلامي» حول إيران، الثقة المطلقة التي جرى بها التنبؤ بقرب سقوط الجمهورية الإسلامية.
فمنذ الأيام الأولى للتصعيد، امتلأت التغطيات الإعلامية بروايات تؤكد أن النظام الإيراني يعيش «ساعاته الأخيرة»، وأن الانقسام داخل النخبة الحاكمة بات غير قابل للعلاج، وأن الأقليات العرقية ستنحاز للقوى الخارجية.
لكن هذه النبرة تعيد، بحسب التحليل، إلى الأذهان تجربة حرب العراق عام 2003، عندما تبنت قطاعات واسعة من الإعلام الغربي روايات رسمية عن «أسلحة دمار شامل» لم تظهر لاحقاً.
الواقع لا يسير وفق السيناريو الإعلامي
وبغض النظر عن الموقف من الجمهورية الإسلامية، فإن الوقائع ـ كما يشير تحليل «ميدل إيست آي» ـ لم تسر وفق السيناريو الذي رُسم في كثير من التغطيات.
فقد أظهرت الدولة الإيرانية قدرة أكبر على امتصاص الصدمات والتماسك خلال الحرب مما توقعه عدد من المعلقين، كما أن الهجمات الخارجية والحصار ربما عززا الشعور القومي والتماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه.
وفي المقابل، تميل بعض التغطيات الإعلامية إلى تقليل كلفة ما تتعرض له الأطراف المعادية لإيران، أو عرضها بصورة انتقائية، بما يخلق فجوة بين واقع الميدان والرواية الإعلامية.
عصر الرواية قبل الحقيقة
ويخلص تحليل «ميدل إيست آي» إلى أن هذه المرحلة ستدخل على الأرجح كتب دراسة الإعلام والحرب النفسية بوصفها مثالاً واضحاً على تسليح الروايات وتآكل الحدود بين الصحافة والدعاية والعمليات النفسية والترفيه السياسي.
فقد امتزجت الشائعات بالخيال والإسقاطات الأيديولوجية والتغطية الانتقائية، بينما تولت الخوارزميات إعادة تدويرها وتضخيمها داخل آلة إعلامية لا تكافئ الدقة بقدر ما تكافئ الإثارة.
وفي عبارة تلخص منطق هذا النوع من الإعلام، استعاد الموقع جملة شهيرة من فيلم «Wag the Dog»: «ما الفرق إن كان الأمر صحيحاً؟ إذا كانت القصة جيدة وانتشرت، فسيتحدث عنها الجميع».
اقرأ المزيد
تسريبات نيويورك تايمز: هل خططت أميركا لتنصيب أحمدي نجاد بديلاً لنظام إيران؟
من شعارات ‘محو إسرائيل’ إلى الموت بصواريخها.. القصة الكاملة لاغتيال أحمدي نجاد

