وطن-في خطوة أربكت المشهد الإقليمي وأعادت تسليط الضوء على حساسية العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، كشف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن زيارة قال إنها كانت “سرية” إلى دولة الإمارات خلال الحرب مع إيران، التقى خلالها الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. الإعلان الإسرائيلي، الذي وصف اللقاء بأنه “اختراق تاريخي”، لم يمر بهدوء في أبوظبي، التي سارعت إلى نفي الرواية بصورة حادة وغير مألوفة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن نتنياهو، بإخراج الاجتماع إلى العلن، وضع الإمارات في زاوية حرجة بين كلفة الإحراج الداخلي وبين الثمن الإقليمي لعلاقاتها مع إسرائيل، خصوصاً في ظل استمرار تداعيات حرب غزة وتنامي الغضب الشعبي في العالمين العربي والإسلامي.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، أصدر مكتب نتنياهو في 13 مايو بياناً مقتضباً لكنه لافت، قال فيه إن رئيس الوزراء الإسرائيلي “زار سراً” الإمارات خلال الحرب مع إيران، واجتمع مع الشيخ محمد بن زايد في لقاء وُصف إسرائيلياً بأنه “تاريخي”. غير أن وزارة الخارجية الإماراتية ردت بعد ساعات بنفي قاطع، معتبرة أن التقرير “لا أساس له من الصحة”، ومشددة على أن العلاقات الإماراتية الإسرائيلية قائمة بشكل علني في إطار اتفاقات إبراهيم الموقعة عام 2020.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن الغضب الإماراتي لم يكن بسبب مضمون العلاقة مع إسرائيل بحد ذاته، بقدر ما كان بسبب طريقة التسريب وتوقيته، إذ تفضل أبوظبي إبقاء بعض مستويات التنسيق الأمني والسياسي بعيداً عن الأضواء، خاصة في أوقات التصعيد الإقليمي.
وسرعان ما دخلت وسائل إعلام إسرائيلية على خط الجدل. فقد نشرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، القريبة من نتنياهو، تفاصيل إضافية عن الزيارة، في ما بدا محاولة لتقويض النفي الإماراتي وإحراج أبوظبي بصورة أكبر. وقالت الصحيفة الإسرائيلية إن اللقاء جرى في 26 مارس بمدينة العين، قرب الحدود مع سلطنة عمان، واستمر عدة ساعات.
وكشفت “تايمز أوف إسرائيل” أن الشيخ محمد بن زايد اصطحب نتنياهو بنفسه في سيارته الخاصة من الطائرة إلى القصر، وهي رواية زادت من حساسية المشهد، لأنها قدّمت اللقاء بوصفه أكثر من مجرد اجتماع بروتوكولي عابر.
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي” عن منصات ومصادر إسرائيلية، أظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية أن طائرتين خاصتين من طراز “بومباردييه” مرتبطتين بإسرائيل أقلعتا من تل أبيب إلى العين في ذلك اليوم. كما كتب زيف أغمون، الرئيس السابق لديوان نتنياهو، عبر “فيسبوك” أنه رافق رئيس الوزراء الإسرائيلي في الزيارة، مؤكداً أنها كانت “سرية للغاية حتى اليوم”، وأن الشيخ محمد بن زايد قاد السيارة بنفسه من المطار إلى القصر.
ولم تقتصر المؤشرات على زيارة نتنياهو وحده. فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع زار الإمارات مرتين على الأقل خلال الحرب. كما تحدثت تقارير أخرى عن زيارات قام بها رئيس جهاز الشاباك دافيد زيني، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في سياق التنسيق الأمني خلال المواجهة مع إيران.
وأشارت “ميدل إيست آي” إلى أن مسؤولين أميركيين، من بينهم السفير الأميركي مايك هاكابي، سبق أن أكدوا نشر جنود إسرائيليين لتشغيل بطاريات “القبة الحديدية” على الأراضي الإماراتية، وهو ما يجعل الجدل أقل ارتباطاً بوقوع التعاون من عدمه، وأكثر ارتباطاً بكيفية إدارته سياسياً وإعلامياً.
في ضوء ذلك، تبدو المسألة الأساسية، كما تقول الصحيفة، ليست ما إذا كان نتنياهو قد زار الإمارات أم لا، بل لماذا قرر مكتبه تسريب الزيارة، ولماذا أصرّت جهات إسرائيلية على تقديم أبوظبي بمظهر الطرف الذي يخفي الحقيقة. كما يطرح الأمر سؤالاً آخر: لماذا نفت الإمارات الزيارة بهذه القوة رغم أن علاقاتها مع إسرائيل معلنة منذ اتفاقات إبراهيم؟
حسابات نتنياهو الداخلية والخارجية
بحسب “ميدل إيست آي”، لا يمكن فصل التسريب عن حسابات نتنياهو السياسية الداخلية. فرئيس الوزراء الإسرائيلي، الأطول بقاءً في السلطة بتاريخ إسرائيل، يواجه انتخابات لاحقة هذا العام، إلى جانب محاكمة مستمرة في قضايا فساد، ومذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحرب في غزة.
في هذا السياق، يحتاج نتنياهو إلى أي إنجاز يمكن تسويقه للناخب الإسرائيلي. وإظهار نفسه كزعيم ما زال قادراً على دخول عاصمة عربية واللقاء بقادتها، رغم الحرب والضغوط الدولية، يمنحه صورة رجل الدولة القادر على كسر العزلة، لا صورة السياسي المحاصر خارجياً.
وترى الصحيفة البريطانية أن الإعلان عن لقاء مباشر مع رئيس الإمارات يخدم هذا الهدف بدقة، لأنه يبعث رسالة للداخل الإسرائيلي مفادها أن اتفاقات إبراهيم لم تنهَر رغم حرب غزة، وأن إيران فشلت في عزل إسرائيل خلال المواجهة الإقليمية. كما يمنح نتنياهو فرصة للقول إن علاقاته الشخصية ما زالت قادرة على فتح الأبواب في الخليج.
لكن “ميدل إيست آي” تضيف أن الدافع لا يقتصر على المكاسب الانتخابية. فإخراج الزيارة إلى العلن يدفع الإمارات، بصورة أو بأخرى، إلى الاعتراف بمستوى أعمق من التعاون مع إسرائيل، وهو تعاون تفضّل أبوظبي إبقاءه في نطاق محدود وغير معلن. وإذا اضطرت الإمارات إلى تأكيد ما تنفيه حالياً، فسيُسجل ذلك ضمن إرث نتنياهو السياسي. وإذا واصلت النفي، فإن التسريب وحده يكفي لصناعة العناوين التي يريدها في الإعلام الإسرائيلي.
وبهذه الطريقة، تقول الصحيفة، يربح نتنياهو في كل الاحتمالات، بينما تخسر الإمارات في جميع السيناريوهات؛ فهي إما تؤكد فتتحمل كلفة سياسية، أو تنفي فتبدو في موقع الدفاع أمام روايات إسرائيلية تفصيلية.
وتحمل الرسالة أيضاً بعداً موجهاً إلى إيران. فإسرائيل، وفق قراءة ميدل إيست آي، أرادت أن تقول إنها قادرة على نقل رئيس وزرائها ورؤساء أجهزتها الأمنية والعسكرية إلى عمق الخليج خلال صراع مفتوح، وأن لديها بنية تنسيق إقليمية قادرة على العمل حتى في أوقات الحرب.
غير أن الدافع الأخطر، بحسب الصحيفة، يتمثل في رغبة إسرائيل في تعميق الشرخ بين الإمارات وخصومها الإقليميين. فإظهار أبوظبي علناً ضمن ترتيبات أمنية إسرائيلية يعزز سياسة “فرّق تسد”، ويدفع الإمارات أكثر نحو الاعتماد على التنسيق الأمني مع إسرائيل، في وقت لا تبدو فيه أبوظبي راغبة في زيادة أعباء هذا الارتباط علناً.
لماذا نفت الإمارات الزيارة؟
توضح “ميدل إيست آي” أن النفي الإماراتي لا يتعلق بالضرورة بحقيقة وقوع الاجتماع، بل بتداعيات الاعتراف به. فهناك ضغوط متعددة دفعت أبوظبي إلى رفض الرواية الإسرائيلية بشكل قاطع.
أول هذه الضغوط هو الرأي العام الإقليمي. فمع استمرار صور الدمار والقتل في غزة، فإن الإعلان عن استقبال نتنياهو خلال الحرب سيشعل غضباً واسعاً في العالم العربي والإسلامي، وسيضر بصورة الإمارات التي تحاول تقديم نفسها كدولة اعتدال وتسامح وتعايش.
وتضيف الصحيفة أن الإمارات استثمرت خلال السنوات الماضية في خطاب رسمي يقوم على التسامح والانفتاح، لكن الفجوة بين هذا الخطاب وبين التنسيق العلني مع حكومة نتنياهو خلال زمن الحرب تبدو واسعة بما يكفي لإثارة حرج داخلي وخارجي، حتى وإن كان المجال السياسي المحلي محدوداً.
أما الضغط الثاني، وفق “ميدل إيست آي”، فيرتبط بمحاولة أبوظبي الحفاظ على توازن إقليمي حساس. فالإمارات أعادت ترتيب علاقاتها مع أطراف مثل تركيا وقطر بعد إنهاء الأزمة الخليجية عام 2021، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقتها مع إسرائيل بعد 2023، وهي معادلة تتطلب قدراً كبيراً من الحذر والسرية.
وتشير الصحيفة إلى أن أبوظبي كانت، قبل اندلاع الحرب مع إيران، تواجه بالفعل انتقادات إقليمية بسبب أدوار منسوبة لها في اليمن والصومال والسودان وليبيا، وهي ساحات رأت أطراف عدة أن الإمارات تتحرك فيها بما يخدم مصالح إسرائيل أو ينسجم معها. ومن ثم جاء تسريب نتنياهو ليقوض جهود احتواء الغضب ويجعل أبوظبي أكثر عرضة للعزلة والانتقاد.
أما الضغط الثالث فهو إيران. فبحسب ما أوردته ميدل إيست آي نقلاً عن وزارة الدفاع الإماراتية، أطلقت إيران خلال الحرب أكثر من 550 صاروخاً و2200 طائرة مسيرة باتجاه الإمارات. وفي ظل هذا التصعيد، فإن الإقرار العلني بتعاون استخباراتي وأمني مع إسرائيل قد يمنح المتشددين في طهران ذريعة لتبرير جولات جديدة من الهجمات.
وترى الصحيفة أن تأكيد مثل هذا التعاون في العلن سيعزز السردية الإيرانية التي تتحدث عن تواطؤ بعض دول مجلس التعاون الخليجي مع إسرائيل، وهي سردية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الإمارات، خصوصاً إذا كانت كلفة المواجهة العسكرية المباشرة مرتفعة على أمنها وبنيتها الاقتصادية.
الضغط الرابع يتعلق بنموذج الإمارات الاقتصادي. فأبوظبي ودبي تقدمان الدولة بوصفها مركزاً مستقراً لرؤوس الأموال والسياحة والمواهب العالمية. وأي صورة توحي بأن الإمارات منخرطة بشكل ظاهر في حرب إسرائيلية ضد إيران قد تضر بهذه العلامة، وتدفع مستثمرين وشركات إلى إعادة تقييم المخاطر.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن المسألة تحمل أيضاً بعداً بروتوكولياً. فالمؤسسة الإماراتية لا ترحب بالمفاجآت، خصوصاً عندما تتعلق بملفات أمنية حساسة. ومن ثم اعتُبر التسريب الإسرائيلي خرقاً لقواعد الدبلوماسية السرية، ومحاولة لتحويل الإمارات إلى ورقة في حملة نتنياهو السياسية الداخلية.
تسريب ليس الأول من نوعه
تلفت الصحيفة إلى أن سلوك نتنياهو ليس جديداً. ففي أواخر عام 2020، سرّب زيارة له إلى مدينة نيوم السعودية، في خطوة ارتدت سلباً عليه. فقد فهمت الرياض، بحسب ميدل إيست آي، أن التسريب كان محاولة لاستثمار سياسي داخلي، ما دفعها إلى التراجع عن مسار التطبيع وتشديد موقفها، وهو أثر ما زال قائماً حتى اليوم.
وقد يؤدي التسريب الأخير، وفق الصحيفة، إلى تعزيز قرار السعودية إبقاء التطبيع مع إسرائيل معلقاً، خصوصاً في ظل استمرار حرب غزة وتراجع هامش المناورة السياسية أمام العواصم العربية.
لكن الوضع في الإمارات مختلف. فالعلاقة مع إسرائيل، كما تقول ميدل إيست آي، أعمق وأكثر مؤسسية من أي مسار سعودي محتمل. فهناك اتفاقات معلنة، وتعاون اقتصادي وأمني، وشبكات اتصال متراكمة منذ توقيع اتفاقات إبراهيم. لذلك، قد لا يؤدي التسريب إلى قطيعة، لكنه يفتح نقاشاً داخل الدوائر الإماراتية حول الكلفة الحقيقية لهذا الارتباط.
وفي الخلاصة، ترى الصحيفة البريطانية أن نتنياهو نجح في تحويل زيارة سرية إلى أداة ضغط سياسية وإعلامية، لكنه في المقابل كشف هشاشة التوازن الذي تحاول الإمارات الحفاظ عليه بين علاقتها بإسرائيل ومصالحها الإقليمية. وبينما يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه بوصفه زعيماً لا يزال مرحباً به عربياً، تجد أبوظبي نفسها أمام سؤال أصعب: هل تمنحها العلاقة مع إسرائيل نفوذاً وأمناً، أم تسحبها تدريجياً إلى صراعات وعزلات لا تستطيع التحكم في مسارها؟
اقرأ المزيد
الإمارات ترفض التهدئة وتدفع باتجاه “الحسم”: كواليس الضغوط السرية لاستمرار الحرب على طهران

